كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

وأمّا هلاكُ المبيع قبلَ القَبْضِ، غائبًا كان أو حاضِرًا، عِندَ الشّافِعيِّ وأبي حَنِيفةَ، فمِن البائع أبدًا.
ومن الدَّليل على جَوازِ بيع الغائبِ، مع ما تقدَّمَ في هذا الباب: أنَّ السَّلَفَ كانوا يَتَبايَعُونهُ، ويُجيزُون بيعهُ.
فمِن ذلك: أنَّ عُثمانَ، وعبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ تبايَعا فرسًا غائبًا عنهُما (¬١).
وتبايَعَ عُثمانُ أيضًا وطَلْحةُ دارًا لعُثمان بالكُوفةِ، ولم يَعْلمها (¬٢) عُثمانُ ولا طَلْحةُ، وقَضَى جُبيرُ بن مُطعِم لطَلْحةَ فيها بالخيارِ. وهُو المُبتاعُ (¬٣).
فحَمَلهُ العِراقيُّونَ على خيارِ الرُّؤيةِ، وحَمَلهُ أصحابُ مالكٍ على أنَّهُ كان اشترطَ الخيار، فكأنَّ بيعَ الغائب (¬٤) إجماعٌ من الصَّحابةِ، إذ لا يُعلَمُ لهؤُلاءِ مُخالِفٌ منهُم.
ويدخل (¬٥) في معنَى المُلامَسةِ والغَررِ، أشياءُ بالاستِدلال يطُولُ ذِكرُها، إن ذكَرْناها خَرَجنا عن شَرْطِنا وعَمّا له قَصَدنا، وباللّه عِصْمتُنا وتوفيقُنا.
---------------
(¬١) أخرجه عبد الرزاق في المصنَّف (١٤٢٤٠)، وسحنون في المدونة ٣/ ٣٢٧، والبيهقي في الكبرى ٥/ ٢٦٧.
(¬٢) في الأصل: "يُقَلِّبها"، ولا معنى لها، والمثبت من ظا، ويجوز فيه: "يعاينها"، قال الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١٠: "اشترى طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عفان مالًا، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت وكان المال بالكوفة، وهو مال آل طلحة الآن بها، فقال عثمان: لي الخيار لأني بعت ما لَمْ أر، وقال طلحة: إليَّ الخيار: لأني أشتريت ما لَمْ أر، فحكّما بينهما جبير بن مطعم، فقضى أن الخيار لطلحة ولا خيار لعثمان".
(¬٣) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي ٤/ ١٠، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٢٦٨.
(¬٤) في م: "الخيار".
(¬٥) في م: "ودخل".

الصفحة 125