كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: يجُوزُ بيعُ الثِّمارِ قبل بُدُوِّ صلاحِها، وبغير بُدُوِّ الصَّلاح (¬١)، إذا لم يَشْترِطِ التَّبقيةَ، ولا القطعَ (¬٢)، ولكن باعَها وسكتَ، فإنِ اشْتَرطَ تَبْقيتها، بطَلَ (¬٣) العَقْدُ، سَواءٌ باعَها قبل بُدُوِّ الصَّلاح، أو بعدهُ.
وقال محمدُ بن الحَسَن: إذا تَناهى عِظَمُهُ، بشَرْط (¬٤) تَرْكه، جازَ اسْتِحسانًا.
قال أبو عُمر: جعلَ أبو حنيفةَ قَولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "حتَّى تَنْجُو من العاهَةِ". ردًّا لقَوله: "حتَّى يبدُو صَلاحُها". فقال ما ذكَرْنا، واحتجَّ أيضًا بالنَّهيِ عن بَيعْ الغَررِ، وجعَلَ مالكٌ وجُمهُورُ الفُقهاءِ ذلكَ كلَّهُ معنًى واحِدًا، وحَملُوهُ على الأغْلَبِ في أنَّها تَسْلمُ حِينَئذٍ في الأغْلَبِ (¬٥)، واللّه أعلمُ.
والحُجَّةُ لمالكٍ والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهما، عُمُومُ قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (¬٦)} [البقرة: ٢٧٥] مع قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "حتَّى يَبْدُو صلاحُها". و"حتَّى" غايةٌ، ويَقْتضي هذا القولُ أَنَّه (¬٧) إذا بَدا صلاحُها، جازَ بيعُها جَوازًا مُطلقًا، سواءٌ شرطَ التَّبقيةَ، أو لم يشترِط، واللّه أعلمُ.
وقد سُئلَ عُثمانُ البتِّيُّ عن بيع الثَّمَرِ قبل أن يُزْهِي، فقال: لولا ما قالَ النّاسُ فيه، ما رأيتُ به بأسًا.
---------------
(¬١) في م: "قبل بدو الصلاح، وبعد بدو الصلاح"، وهو تحريف، والمثبت من الأصل.
(¬٢) في م: "والقطع".
(¬٣) في ض، م: "فسد".
(¬٤) في م: "فشرط"، خطأ، والمثبت من الأصل.
(¬٥) قوله: "في الأغلب" لم يرد في ظا.
(¬٦) قوله: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} لم يرد في الأصل، ض.
(¬٧) قوله: "أنه" سقط من ظا.

الصفحة 235