كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)
ومن أجازَ الجَمْعَ بينهُما قبلَ المُزدلفةِ، أو بَعْدها في غيرِها (¬١) فإنَّهُ ذهَبَ إلى أنَّهُ سَفرٌ، وللمُسافِرِ الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ، على ما ذكَرْنا من أحْكامِهِما (¬٢) وأقْوالهِم في كَيْفيَّةِ الجمع بينهُما للمُسافِرِ، فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا، ولهُ أن لا يجمَعَ بينهُما، لا يختلفُونَ في ذلك للمُسافِرِ بغيرِ عَرَفةَ والمُزدلفةِ.
قال مالكٌ: يجمَعُ الرَّجُلُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفةَ، إذا فاتَهُ ذلكَ مع الإمام (¬٣).
قال: وكذلكَ المغرِبُ والعشاءُ، يجمعُ أيضًا بَيْنهُما بالمُزْدلفةِ مَتَى فاتَهُ ذلك مع الإمام.
قال: وإنِ احتبسَ إنسانٌ دُونَ المُزْدلفةِ، لموضِع عُذرٍ، جمَعَ بينهُما أيضًا قبلَ أن يأتي المُزْدلفةَ، ولا يَجْمعُ بينهُما حتَّى يَغِيب الشَّفقُ (¬٤).
قال أبو حنيفةَ: لا يجمعُ بينهُما إلّا من صَلّاهُما مع الإمام. يعني: صَلاتي عَرَفةَ، وصلاتي المُزْدلفةِ.
قال: وأمّا من صلَّى وحدَهُ فلا يُصلِّي كلَّ صَلاةٍ منهُما إلّا لوقتِها. وكذلكَ قال الثَّوريُّ؛ قال: إن صلَّيتَ في رَحْلِكَ، فصلِّ كلَّ صَلاةٍ لوَقْتِها (¬٥).
وقال الشّافِعيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ: جائزٌ أن يجمعَ بينهُما من المُسافِرينَ، من صلَّى مع الإمام، ومن صلَّى وحدَهُ، إذا كان مُسافِرًا (¬٦).
---------------
(¬١) في م: "غيرهما".
(¬٢) في م: "أحكامهم".
(¬٣) البيان والتحصيل ٣/ ٤٤٢.
(¬٤) انظر: الاستذكار ٤/ ٣٢٥.
(¬٥) المبسوط للسرخسي ٤/ ٥٣، وتحفة الملوك لزين الدين الرازي ١/ ١٦١.
(¬٦) المغني لابن قدامة ٣/ ٣٦٦.