كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)
وسَنذكُرُ التَّلبيةَ وحُكْمَها، في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.
وأصلُ الإهلالِ في اللُّغة: رفعُ الصَّوتِ، وكلُّ رافِع صوتَهُ، فهُو مُهِلٌّ، ومنهُ قيلَ للطِّفل إذا سقَطَ من بَطْنِ أُمِّهِ فصاح: قدِ استَهلَّ صارِخًا، والاسْتِهلالُ والإهلالُ سواءٌ، ومنهُ قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: ١٧٣] لأنَّ الذّابح منهُم كان إذا ذبَحَ لآلهةٍ سمّاها، ورفَعَ صوتهُ بذِكرِها، وقال النّابِغةُ (¬١):
أو دُرَّةٍ صَدفيَّةٍ غوّاصُها ... بهِجٌ متى يَرَها يُهِلَّ ويسجُدِ
يعني بإهلالهِ، رفعَهُ صوتهُ بالحَمدِ والدُّعاءِ إذا رآها.
وقال ابنُ أحمرَ (¬٢):
يُهِلُّ بالفرقَدِ رُكبانُها ... كما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعتمِرُ
واختلَفتِ الآثارُ في الموضِع الذي أحرمَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيه لحَجَّتِهِ من أقْطارِ ذي الحُليفةِ.
ولا خِلافَ أنَّ ميقاتَ أهل المدينةِ ذُو الحُليفةِ.
وسنذكُرُ المواقِيتَ، وما للعُلماءِ في حُكمِها، من القولِ (¬٣) في بابِ نافِع إن شاءَ الله، من كِتابِنا هذا.
فقال قومٌ: أحرمَ من مَسجدِ ذي الحُليفةِ، بعد أن صلَّى فيه. وقال آخرُونَ: لم يُحرِم إلّا من بَعدِ أنِ اسْتَوتْ به راحِلتُهُ، بعد خُرُوجِهِ من المسجدِ. وقال آخرُونَ: إنَّما أحرمَ حينَ أظلَّ على البَيْداءِ، وأشرفَ عليها.
وقد أوضحَ ابنُ عبّاسٍ المعنى في اختِلافِهِم رضي الله عنهُ.
---------------
(¬١) انظر: لسان العرب ٢/ ٢١٦.
(¬٢) انظر: لسان العرب ١/ ٤٣١.
(¬٣) قوله: "من القول" سقط من م.