كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

وقد جاءَت آثارٌ تُصحِّحُ ذلك، والحمدُ لله.
وقد قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تُعمَلُ المطِيُّ إلّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ، مَسجدي هذا، والمَسجدِ الحرام، ومسجِدِ بيتِ المَقْدِسِ" (¬١). ولم يذكُر مسجِد قُباءٍ، وجائزٌ أن يكونَ معنَى (¬٢) إعمالُ المطيِّ إلى الثَّلاثةِ مَساجِد إعمالُ مَشَقَّةٍ وكُلْفةٍ، فلا يلزمُ ذلك في غيرِها والرِّحلَةُ غيرُ إعمالُ المطيِّ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: وأشْبَهُ ما قيلَ في ذلك بأُصُول سُنَّتِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّهُ كان يأتي مَسجد قُباءٍ للصَّلاةِ فيه، واللّهُ أعلمُ، وأكثرُ ما رُوِيَ في ذلك، وأعلى ما قيلَ فيهِ.
وقدِ اختُلِفَ (¬٣) في المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقوي، فقيل: مَسجدُ قُباءٍ، وقيل: مسجِدُ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وقدِ اسْتَدلَّ من قال: إنَّ مَسجدَ قُباءٍ، هُو المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، يقول من قال من أهلِ العِلم: إنَّ هذه (¬٤) الآيةَ نَزَلت في أهلِ (¬٥) قُباء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: ١٠٨].
ذكر وكيعٌ، عن طَلْحةَ بن عَمرٍو، عن (¬٦) عطاءٍ، قال: أحدث قومٌ من أهل قُباءٍ الوُضُوءَ وضوءَ الاستِنجاءِ، فأنزل الله فيهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (¬٧).
---------------
(¬١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٦٥ - ١٦٦ (٢٩١).
(¬٢) سقطت هذه اللفظة من م.
(¬٣) في م: "وقد اختلف العلماء"، والمثبت من الأصل.
(¬٤) اسم الإشارة لم يرد في الأصل، وهو في ظا.
(¬٥) زاد هنا في م: "مسجد".
(¬٦) في م: "وعن"، وهو خطأ.
(¬٧) أخرجه الطبري في تفسيره ١٤/ ٤٩٠ (١٧٢٤٣) من طريق طلحة بن عمرو، به.

الصفحة 360