كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ العُلماءُ فيه، مع إجماعِهِم أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُؤَذَّنُ لهُ في حَياتِهِ كلِّها لكلِّ صَلاةٍ، في سَفَرٍ وحَضَرٍ، وأنَّهُ ندَبَ المُسلمينَ إلى ذلك (¬١) وسَنَّهُ لهم، وكان - صلى الله عليه وسلم - في غَزَواتِهِ كُلِّها (¬٢) إذا سمِعَ أذانًا، كفَّ وعلِمَ أنَّها دارُ إيمانٍ، وإذا لم يَسْمعهُ أغارَ، وكان يأمُرُ بذلكَ سَراياهُ. وقال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: ٥٨]. وقال: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} الآيةَ [الجمعة: ٩]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا نُودِيَ للصَّلاةِ، أدبَرَ الشَّيطانُ ... " الحديثَ (¬٣).
واختَلَف الفقهاءُ في وُجُوبِ الأذانِ (¬٤)، فالمشهُورُ من مذهَبِ مالكٍ وأصحابِهِ (¬٥) أنَّ الأذانَ إنَّما هُو للجَماعاتِ، حيثُ يجتمِعُ النّاسُ للأئمَّةِ، فأمّا ما سِوَى ذلك من أهل الحَضرِ، والسَّفرِ، فالإقامة (¬٦) تُجزئُهم.
واختلَفَ المُتأخِّرُونَ من أصحابِ مالكٍ على قولينِ في وُجُوبِ الأذانِ، فقال بعضُهُم: الأذانُ سُنَّهٌ مُؤَكَّدةٌ واجِبةٌ على الكِفايةِ، وليسَ بفَرْضٍ. وقال بعضُهُم: هُو فرضٌ على الكِفايةِ في المِصرِ خاصَّةً.
وقولُ أبي حَنِيفةَ وأصحابِه: أنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ على الكِفايةِ (¬٧).
---------------
(¬١) في ظا، م: "لذلك"، والمثبت من الأصل.
(¬٢) "كلها" سقطت من م.
(¬٣) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٧١ (١٧٧).
(¬٤) ينظر: الأوسط لابن المنذر ٣/ ٢٤.
(¬٥) في ظا، م: "عنه وعن أصحابه"، والمثبت من الأصل.
(¬٦) في م: "فإن الإقامة"، والمثبت من الأصل.
(¬٧) وقال ابن قدامة في المغني ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤: "وظاهر كلام الخرقي: أن الأذان سنة مؤكدة وليس بواجب، لأنه جعل تركه مكروهًا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي لأنه دعاء إلى الصلاة ... وقال أبو بكر عبد العزيز: هو من فروض الكفايات، وهذا قول أكثر أصحابنا، وقول بعض أصحاب مالك".

الصفحة 373