كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

لا بأسَ بدُخُول المُسلم على الذِّمِّيِّ في سَوْمِهِ، لأنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما خاطَبَ المُسلمين في أن لا يبيع بعضُهُم على بيع بعضٍ، وخاطَبَ المُسلم أن لا يبيع على بيع أخيهِ المُسلم، فليس الذِّمِّيُّ كذلك (¬١).
وقال سائرُ العُلماء: لا يجُوزُ ذلك، والحُجَّةُ لهم: أنَّهُ كما دخلَ الذِّمِّيُّ في النَّهي عن النَّجْشِ، وفي رِبح ما لم يُضمَنْ ونحوِهِ، كذلك يدخُلُ في هذا. وقد يُقالُ: هذا طريقُ المُسلمينَ، ولا يُمنَعُ ذلك أن يدخُلَ فيه ويسلُكهُ أهلُ الذِّمَّةِ.
وقد أجمعُوا على كَراهيةِ سوم الذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ، فدلَّ على أنَّهُم مُرادُونَ، واللّه أعلمُ (¬٢).
وأمّا تلقِّي السِّلع (¬٣)، فإنَّ مالكًا قال (¬٤): أكَرهُ أن يَشْترِيَ أحدٌ من الجَلَبِ في نُواحي المِصْرِ حتَّى يُهبَطَ بها الأسواقَ. فقيلَ لهُ: فإن كان على سِتَّةِ أمْيال، فقال: لا بأسَ به (¬٥). ذكرهُ ابنُ القاسم عن مالكٍ.
وقال ابنُ وَهْب: سَمِعتُ مالكًا، وسُئلَ عن الرَّجُلِ يخرُجُ في الأضْحَى إلى مِثْلِ الإصْطَبل، وهُو نحوٌ من مِيل، يَشْتَرِي ضحايا، وهُو مَوْضِعٌ فيه الغَنَمُ، والنّاسُ يخرُجُونَ إليهم يَشْترُونَ منهُم هُناكَ. فقال مالك: لا يُعجِبُني ذلك، وقد نُهِيَ عن تَلقِّي السِّلع، فلا أرى أن يُشْتَرى شيءٌ منها، حتَّى يُهبَطَ بها إلى الأسواقِ. قال مالكٌ: والضَّحايا أفْضلُ ما احْتِيط فيه، لأنَّهُ نُسُكٌ يُتقرَّبُ به إلى الله تعالَى، فلا أرى ذلك.
---------------
(¬١) مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٦١.
(¬٢) نفسه.
(¬٣) ينظر عن تلقي السلع: مختصر اختلاف العلماء ٣/ ٦٣ - ٦٤، والإشراف لابن المنذر ٦/ ٣٩.
(¬٤) ينظر هذا وما يأتي: البيان والتحصيل ٣/ ٣٣٨.
(¬٥) انظر: الاستذكار ٦/ ٥٢٤. وانظر فيه أيضًا ما بعده.

الصفحة 413