كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 8)

فأمّا الذين ردُّوهُ: فمالكٌ (¬١)، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُما (¬٢). لا أعلمُ أحَدًا ردَّهُ غير هؤُلاءِ، إلّا شيءٌ رُوِيَ عن إبراهيم النَّخعيِّ (¬٣).
فأمّا مالكٌ، رحِمهُ الله، فإنَّهُ (¬٤) قال في "مُوطَّئهِ (¬٥) "لمّا ذكر هذا الحديث: وليسَ لهذا عندَنا حَدٌّ معرُوفٌ، ولا أمرٌ مَعمُولٌ به.
واختلَفَ المُتأخِّرُون من المالكيِّين في تخريج وُجُوهِ قولِ مالكٍ هذا، فقال بعضُهُم: دَفَعهُ مالكٌ رحِمهُ الله، بإجماع أهلِ المدينةِ على تَركِ العَملِ به، وإجماعُهُم حُجَّةٌ فيما أجْمَعُوا عليه، ومثلُ هذا يصِحُّ فيه العَملُ، لأنَّهُ مِمّا يَقعُ مُتواتِرًا ولا يقعُ نادِرًا فيُجهَل، وإذا (¬٦) أجمعَ (¬٧) أهلُ المدينةِ على تَرْكِ العَملِ به، وِراثةً بعضُهُم عن بَعضٍ، فمعلُوم أنَّ هذا تَوْقِيفٌ أقْوَى من خَبرِ الواحدِ، والأقْوَى أوْلَى أن يُتَّبعَ.
وقال بعضُهُم: لايصحُّ دعوَى إجماع أهلِ المدينةِ في هَذه المسألةِ، لأنَّ سعيدَ بن المُسيِّبِ وابن شِهاب، وهُما أجلُّ فُقهاءِ أهلِ (¬٨) المدينةِ، رُوِيَ عنهُما منصُوصًا العَملُ به (¬٩) (¬١٠)، ولم يُرو عن أحَدٍ من أهلِ المدينةِ نصًّا تَرْكُ العَملِ به، إلّا عن مالكٍ، ورَبِيعةَ، وقدِ اختُلِف فيه عن ربيعةَ.
---------------
(¬١) المدونة ٣/ ٢٢٢.
(¬٢) المبسوط للسرخسي ١٣/ ٦٥.
(¬٣) سيأتي مسندًا، ويخرج في موضعه.
(¬٤) قوله: "فإنه" سقط من الأصل.
(¬٥) أخرجه في الموطأ ٢/ ٢٠١ (١٩٥٩).
(¬٦) في الأصل، م: "فإذا"، والمثبت من ظا.
(¬٧) في ظا: "اجتمع".
(¬٨) قوله: "أهل " لم يرد في ظا.
(¬٩) قوله: "العمل به" لم يرد في الأصل، وهو ثابت في بقية النسخ.
(¬١٠) انظر: مصنَّف ابن أبي شيبة (٢٣٠٢١)، والمحلى لابن حزم ٩/ ٣١٠.

الصفحة 445