كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 8)
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرَةً قَوْلُهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَعْبَثُونَ تَبْنُونَ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ ريع قَالَ بِكُل فج آيَة تعبثون بُنْيَانًا وَقِيلَ كَانُوا يَهْتَدُونَ فِي الْأَسْفَارِ بِالنُّجُومِ ثُمَّ اتَّخَذُوا أَعْلَامًا فِي أَمَاكِنَ مُرْتَفِعَةٍ لِيَهْتَدُوا بِهَا وَكَانُوا فِي غُنْيَةٍ عَنْهَا بِالنُّجُومِ فَاتَّخَذُوا الْبُنْيَانَ عَبَثًا قَوْلُهُ هَضِيمٌ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ وَصله الْفرْيَابِيّ بِلَفْظ يتهشم هشيما وروى بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ الطَّلْعَةُ إِذَا مَسِسْتَهَا تَنَاثَرَتْ وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ الْهَضِيمُ الرَّطْبُ اللِّينُ وَقِيلَ الْمُذَنَّبُ قَوْلُهُ مُسَحَّرِينَ مَسْحُورِينَ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي قَوْلِهِ إِنَّمَا أَنْت من المسحرين أَيْ مِنَ الْمَسْحُورِينَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ كُلُّ مَنْ أَكَلَ فَهُوَ مُسَحَّرٌ وَذَلِكَ أَنَّ لَهُ سِحْرًا يَفْرِي مَا أَكَلَ فِيهِ انْتَهَى وَالسَّحْرُ بِمُهْمَلَتَيْنِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ الرِّئَةُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْمَعْنَى أَنَّكَ تَأْكُلُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَتَسْحَرُ بِهِ فَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا لَا تَفْضُلُنَا فِي شَيْءٍ قَوْلُهُ فِي السَّاجِدِينَ الْمُصَلِّينَ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَنْ خَلْفَهُ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُهُ اللَّيْكَةُ وَالْأَيْكَةُ جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ الشَّجَرِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ جَمْعُ شَجَرٍ وَلِلْبَعْضِ جَمَاعَةُ الشَّجَرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ شَرْحِهِ وَالْكَلَامُ الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَمِنْ قَوْلِهِ جَمْعُ أَيْكَةٍ إِلَخْ هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَوَقَعَ فِيهِ سَهْوٌ فَإِنَّ الليكة وَالْأَيْكَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ فَقَطْ وَقِيلَ لَيْكَةِ اسْمُ الْقَرْيَةِ وَالْأَيْكَةُ الْغَيْضَةُ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ جَمْعُ شَجَرٍ يُقَالُ جَمْعُهَا لَيْكٌ وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ قَوْلُهُ يَوْمُ الظُّلَّةِ إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ قَوْلُهُ مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ كَذَا لَهُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أبي ذَر قَالَ بن عَبَّاس لَعَلَّكُمْ تخلدون كَأَنَّكُمْ لَيْكَةٌ الْأَيْكَةُ وَهِيَ الْغَيْضَةُ مَوْزُونٌ مَعْلُومٌ فَأَما قَوْله لَعَلَّكُمْ فوصله بن أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ بِهِ وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْوَاحِدِيِّ قَالَ كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ لَعَلَّ فَهُوَ لِلتَّعْلِيلِ إِلَّا هَذَا الْحَرْفُ فَإِنَّهُ لِلتَّشْبِيهِ كَذَا قَالَ وَفِي الْحَصْرِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لَعَلَّك باخع نَفسك وَقَدْ قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَقَرَأَ بن مَسْعُودٍ كَيْ تَخْلُدُوا وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَوْثِقُونَ مِنَ الْبِنَاءِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُحْصِنَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا الْحِجْرَ صَنِيعَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُدُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَيْكَةٌ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاء وَوَصله بن أَبِي حَاتِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا وَأَمَّا قَوْلُهُ مَوْزُونٌ فَمَحَلُّهُ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ وَوَقَعَ ذِكْرُهُ هُنَا غَلَطًا وَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ مَنْ نسخ الْكتاب من مَحَله وَقد وَصله بن أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا كَذَلِكَ وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا من كل شَيْء مَوْزُون قَالَ بِقَدَرٍ مَقْدُورٍ قَوْلُهُ كَالطَّوْدِ كَالْجَبَلِ وَقَعَ هَذَا لأبي ذَر مَنْسُوبا إِلَى بن عَبَّاسٍ وَلِغَيْرِهِ مَنْسُوبًا إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَوَصله بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَزَادَ عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ وَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَشِرْذِمَةٌ الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ فِيمَا نُسِبَ إِلَى مُجَاهِدٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
الصفحة 497