كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 8)

سماك عَن عِكْرِمَة عَن بن عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى إِرَادَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَأَشَارَتْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنَّبِي وَقَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزوَاجهم وروى بن مرْدَوَيْه من حَدِيث بن عمر وَمن حَدِيث بن عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ قَوْلُهُ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاكَ أَيْ مَا أَرَى اللَّهَ إِلَّا مُوجِدًا لِمَا تُرِيدُ بِلَا تَأْخِيرٍ مُنْزِلًا لِمَا تُحِبُّ وَتَخْتَارُ وَقَوْلُهُ تُرْجِي من تشَاء مِنْهُنَّ أَيْ تُؤَخِّرْهُنَّ بِغَيْرِ قَسْمٍ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأخرجه الطَّبَرِيّ عَن بن عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَأَبِي رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ ترجى من تشَاء مِنْهُنَّ قَالَ كُنَّ نِسَاءً وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وَأَرْجَأَ بَعْضَهُنَّ لَمْ يَنْكِحْهُنَّ وَهَذَا شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِأَحَدٍ مِنَ الْوَاهِبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك من تشَاء أَنَّهُ كَانَ هَمَّ بِطَلَاقِ بَعْضِهِنَّ فَقُلْنَ لَهُ لَا تُطَلِّقْنَا وَاقْسِمْ لَنَا مَا شِئْتَ فَكَانَ يَقْسِمُ لِبَعْضِهِنَّ قَسْمًا مُسْتَوِيًا وَهُنَّ اللَّاتِي آوَاهُنَّ وَيَقْسِمُ لِلْبَاقِي مَا شَاءَ وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْجَأَهُنَّ فَحَاصِلُ مَا نُقِلَ فِي تَأْوِيلِ تُرْجِي أَقْوَالٌ أَحَدُهَا تُطَلِّقُ وَتُمْسِكُ ثَانِيهَا تَعْتَزِلُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَتَقْسِمُ لِغَيْرِهَا ثَالِثُهَا تَقْبَلُ مَنْ شِئْتَ مِنَ الْوَاهِبَاتِ وَتَرُدَّ مَنْ شِئْتَ وَحَدِيثُ الْبَابِ يُؤَيِّدُ هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَظَاهِرُ مَا حَكَتْهُ عَائِشَةُ مِنَ اسْتِئْذَانِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرْجِ أَحَدًا مِنْهُنَّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَزِلْ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْجَأَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ أخرجه بن أَبِي حَاتِمٍ وَعَنْ قَتَادَةَ أَطْلَقَ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ كَيْفَ شَاءَ فَلَمْ يَقْسِمْ إِلَّا بِالسَّوِيَّةِ

[4789] قَوْلُهُ يَسْتَأْذِنُ الْمَرْأَةَ فِي الْيَوْمِ أَيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ نَوْبَتُهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْأُخْرَى قَوْلُهُ تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سمع عَاصِمًا وَصله بن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ وَرَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى الْمَرْوَزِيِّ تَكْمِيلٌ اخْتُلِفَ فِي الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ لَا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاء من بعد هَلِ الْمُرَادُ بَعْدَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فَكَانَ يَحِلُّ لَهُ صِنْفٌ دُونَ صِنْفٍ أَوْ بَعْدَ النِّسَاءِ الْمَوْجُودَاتِ عِنْدَ التَّخْيِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَإِلَى الْأَوَّلِ ذَهَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَإِلَى الثَّانِي ذهب بن عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مُجَازَاةً لَهُنَّ عَلَى اخْتِيَارِهِنَّ إِيَّاهُ نَعَمْ الْوَاقِعُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ بَعْدَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مَا مَاتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ وَأخرج بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مثله

الصفحة 526