كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 8)

قَالَ فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ انْتَهَى وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إِحْدَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِيهِ قَوْلُهُ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ أَيْ تُشْكِلُ وَتَضْطَرِبُ لِأَنَّ بَيْنَ ظَوَاهِرِهَا تَدَافُعًا زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بِسَنَدِهِ فَقَالَ بن عَبَّاسٍ مَا هُوَ أَشَكٌّ فِي الْقُرْآنِ قَالَ لَيْسَ بِشَكٍّ وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ فَقَالَ هَاتِ مَا اخْتُلِفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ فِي حَدِيثِ الْبَاب أَرْبَعَة مَوَاضِع الأول نفى المسائلة يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا الثَّانِي كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ الثَّالِثُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ الرَّابِعُ الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ كَانَ الدَّالِّ عَلَى الْمَاضِي مَعَ أَن الصّفة لَازِمَة وَحَاصِل جَوَاب بن عَبَّاس عَن الأول أَن نفي المسائلة فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحُهُمْ وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ فَسَوَّاهَا فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ فَهَذَا الَّذِي جمع بِهِ بن عَبَّاسٍ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَين قَوْله وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها هُوَ الْمُعْتَمد وإماما أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ عَن عِكْرِمَة عَن بن عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَشَقَّقَ الْأَنْهَارَ وَقَدَّرَ فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ وَتَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا قَالَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْبَقَّالُ وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ كَانَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ الِانْقِطَاعَ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَأَما الأول فقد جَاءَ فِيهِ تفسر آخَرُ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ تَشَاغُلِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وإثباتها بعد النفخة الثَّانِيَة وَقد تَأَول بن مَسْعُودٍ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْعَفْوَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ من طَرِيق زَاذَان قَالَ أتيت بن مَسْعُودٍ فَقَالَ يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فينادي أَلا إِن هَذَا فلَان بن فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ قَالَ فَتَوَدُّ الْمَرْأَةُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أَبِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يتساءلون وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ بِنَسَبٍ شَيْئًا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَلَا يَمُتُّ بِرَحِمٍ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ وَالْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذكرهَا بن عَبَّاسٍ وَهِيَ قَوْلُهُ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أخرجه مُسلم فِي أَثْنَاءَ حَدِيثٍ وَفِيهِ ثُمَّ يُلْقَى الثَّالِثُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ وَيُثْنِي مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فيختم على فِيهِ وتنطق جوارحه وَأما الثَّالِث فَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أَيْضًا مِنْهَا أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا إِيرَادَ وَقِيلَ الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذين آمنُوا الْآيَةَ وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا لَكِنْ ثُمَّ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْخِلْقَتَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ وَقِيلَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ وَأَمَّا الرَّابِعُ وَجَوَابُ بن عَبَّاسٍ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَضَتْ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى وَأَمَّا الصِّفَتَانِ فَلَا يَزَالَانِ كَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ مُرَادُهُ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يكون بن عَبَّاسٍ أَجَابَ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَانْتَهَتْ وَالصِّفَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالْآخَرُ أَنَّ مَعْنَى

الصفحة 558