كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 8)
الوجه السادس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو كان حياً، لعظُم حزنُه على ولده (¬1) الحسين عليه السلام، كما عَظُمَ حزنه على عمه الحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فكره النظر إلى وجه قاتله بعد إسلامه من بين سائر من أسلم من الكفار، وقال: " لكنَّ الحمزة لا بَواكِيَ له "، فبكته نساء الأنصار (¬2)، بل الشفقة على الولد أعظم، والقلب له أرق وأرحم، والمعلوم أنه لو حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكان العزاء في الحسين عليه السلام إليه، فانظر أيها المنصف: هل يحسن من المُعزِّي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشتغل بالترحم والاستغفار لقاتل الحسين مواجهاً بذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن كان يستحسن هذا في الأدب أو الشرع أو العقل، فليس من المميزين، ومن كان يستقبح ذلك، فليتأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته كما يتأدب معه في حياته، ويتصوَّر أنه في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحضرة يزيد الخبيث، ورأس الحسين مقوَّرٌ مشوَّهٌ منصوبٌ على عُودٍ، ويزيد يضحك ويستبشر، فكيف يستطيع مسلم في هذه (¬3) الحال أن يواجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالترحم والترضية على يزيد، وهي حالة غضب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجهين:
أحدهما: لِمَا فيها من عظم عصيان الله بقتل سيد شباب أهل ولايته في جنته.
وثانيهما: لما فيها من الاستهانة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتعدِّي على ولده وريحانته، فكيف يقول بعد هذا: إنه يُستحب أن يقرن في كلِّ صلاه بين ذكرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر ذريته الذين أوجب الله وُدَّهُم، وذكر أعدى عدو لله ورسوله، قاتل سلفه، وسلف سلفه، وثالم أمر أُمته بعد استقامته بنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
¬__________
(¬1) " ولده " ساقطة من (ف).
(¬2) حديث حسن أخرجه أحمد 1/ 40 و84، وابن سعد 3/ 17، وابن ماجه (1591)، والحاكم 3/ 194 - 195 من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن كثير في " تاريخه " 4/ 49 على شرط مسلم، مع أن أسامة بن زيد روى له مسلم في الشواهد، وهو حسن الحديث.
(¬3) في (ش): " هذا ".