كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (اسم الجزء: 8)
وقد ذكر القرطبي في " تذكرته " (¬1) هذا المعنى مستوفى.
وأكثر المحبين للدنيا لا يحبُّونها على الوجه المسنون، بل إنما يحبها الأكثرون بمجرد الطبيعة البشرية وداعية الهوى، وذلك يكون في مرتبة النقص، لا في مرتبة التحريم، مهما بقي صاحبه على حد الشريعة في ترك الحرام، وأداءِ الواجب، فأما ما ورد على صورةٍ تناقض ما قدمنا من قوله عليه السلام: " اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفافَ والغِنى " (¬2)، فلا أعلم شيئاً من ذلك المناقض لهذا يصح.
وذلك نحو ما رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " اللهم أحْيِني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشُرني في زُمْرَةِ المساكين ". وهو حديث ضعيف عند كثير من علماء الأثر، ضعفه ابن كثير (¬3)، وقال ابن النحوي في " خلاصته ": رواه الترمذي (¬4) عن أنس، وقال: غريب، وابن ماجة عن أبي سعيد بإسناد ضعيف، والحاكم به وصحَّحه (¬5)، والبيهقي (¬6) من رواية عبادة بن الصامت، ولا أعلم له علَّةً.
وحديث: " الفقر فخري " غريب، وقال بعض الحُفَّاظ المتأخرين: كذبٌ، لا نعرفه في شيءٍ من كتب المسلمين المعروفة (¬7). انتهى كلام ابن النحوي.
¬__________
(¬1) ص 471 - 472.
(¬2) تقدم تخريجه ص 185 من هذا الجزء.
(¬3) في " البداية والنهاية " 6/ 52.
(¬4) برقم (2352)، ورواه أيضاً البيهقي 7/ 12، وابن الجوزي في " الموضوعات " 3/ 142، وهو ضعيف كما قال الترمذي.
(¬5) أخرجه ابن ماجه (4126)، والحاكم 4/ 322، والبيهقي 7/ 13، والخطيب في " تاريخ بغداد " 4/ 11، وابن الجوزي في " الموضوعات " 3/ 141، وإسناده ضعيف، ومع ذلك صححه الحاكم، ووافقه الذهبي!
(¬6) 7/ 12، وإسناده ضعيف.
(¬7) قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في " أحاديث القصاص " ص 76، وذكر الحديث السخاوي في " المقاصد الحسنة " ص 300، والعجلوني في " كشف الخفاء " 2/ 113، وعلي =