كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 8)

حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ , ثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى , ثنا إِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ , حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، وَكَانَ مِنَ الْعِبَادِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْعُمَرِيِّ فِي بَادِيَتِهِ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ نَأَيْتَ عَنِ النَّاسِ فَقَالَ: " §مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْأَى عَنِ النَّاسِ فَافْعَلْ، قُلْتُ: أَحْتَمِلُ؟ قَالَ: احْتَمِلْ بِالْبَلْغَةِ وَانْظُرْ لِمَنْ تَعْمَلُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُسْمِعُكَ أَبْيَاتًا قُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ:
[البحر الطويل]
وَمَا لِي مِنْ عَبْدٍ وَمَا لِي وَلِيدَةٌ ... إِنِّي لَفِي فَضْلٍ مِنَ اللهِ وَاسِعِ
بِنِعْمَةِ رَبِّي لَا أُرِيدُ مَعِيشَةً ... سِوَى قَصْدِ عَيْشٍ مِنْ مَعِيشَةِ قَانِعِ
وَمَنْ يَجْعَلِ الرَّحْمَنُ فِي قَلْبِهِ الْغِنَى ... يَعِشْ فِي غِنًى مِنْ طَيِّبِ الْعَيْشِ وَاسِعِ
إِذَا كَانَ دِينِي لَيْسَ فِيهِ غَمِيزَةٌ ... وَلَمْ أَنْشُرْهُ بَعْضَ تِلْكَ الْمَطَامِعِ
وَلَمْ يَسْتَلِمْنِي مِنْ ذُبَابٍ مِنَ الْهَوَى ... وَلَمْ أَتَخَشَّعْ أَمْرَهُ الصَّانِعِ
كَرِيمًا بِحَقِّ اللهِ بِحِلِّ مَالِهِ ... بَخِيلًا يَقَوْلِ الزُّورِ غَيْرَ مُوَادِعِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبَانَ , حَدَّثَنِي أَبِي , ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ , حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَكِّيُّ , قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ وَأَتَاهُ وُجُوهُ أَهْلِ مَكَّةَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُصُورِ الْمُحْدِقَةِ بِالْكَعْبَةِ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: " §يَا أَصْحَابَ الْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ اذْكُرُوا ظُلْمَةَ الْقُبُورِ الْمُوحِشَةِ يَا أَهْلَ التَّنَعُّمِ وَالتَّلَذُّذِ اذْكُرُوا الدُّودَ وَالصَّدِيدَ وَبِلَى الْأَجْسَامِ فِي التُّرَابِ قَالَ: فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ "
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ , ثنا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ , ثنا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ , ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُرْوَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيَّ , يَقُولُ: قَالَ لِي مُوسَى بْنُ عِيسَى: " يَنْتَهِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَنَّكَ تَشْتُمُهُ وَتَدْعُو عَلَيْهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَبَحْتَ ذَلِكَ يَا عُمَرِيُّ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: §أَمَّا شَتْمُهُ فَهُوَ وَاللهِ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي لِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا قُلْتُ: اللهُمَّ إِنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ عِبْئًا ثَقِيلًا عَلَى أَكْتَافِنَا لَا تُطِيقُهُ أَبْدَانُنَا وَقَذًى فِي جُفُونِنَا لَا تَطْرِفُ عَلَيْهِ جُفُونُنَا وَشَجًى فِي أَفْوَاهِنَا تَسَفَّهَ حُلُوقَنَا فَاكْفِنَا مَوْتَهُ وَفَرِّقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَلَكِنْ قُلْتُ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ يُسَمَّى بِالرَّشِيدِ لِرُشْدٍ -[286]- فَأَرْشِدْهُ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَرَاجِعْ بِهِ، اللهُمَّ إِنَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِالْقِيَاسِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ حَقًّا وَلَهُ بِنَبِيِّكَ قَرَابَةً وَرَحِمًا فَقَرِّبْهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ وَبَاعِدْهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَأَسْعِدْنَا بِهِ وَأَصْلِحْهُ لِنَفْسِهِ وَلَنَا. فَقَالَ مُوسَى بْنُ عِيسَى: يَرْحَمُكَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَذَلِكَ يَا عُمَرِيُّ الظَّنُّ بِكَ "

الصفحة 285