كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 8)

[سورة التوبة (9): آية 70]
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ) أَيْ خَبَرُ (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). والألف لِمَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّحْذِيرِ، أَيْ أَلَمْ يَسْمَعُوا إِهْلَاكَنَا الْكُفَّارَ مِنْ قَبْلُ. (قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ) بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ. (وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ) أَيْ نُمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ وَقَوْمِهِ. (وَأَصْحابِ مَدْيَنَ) [مَدْيَنُ «1»] اسْمٌ لِلْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ شُعَيْبٌ، أُهْلِكُوا بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ. (وَالْمُؤْتَفِكاتِ) قِيلَ: يُرَادُ بِهِ قَوْمُ لُوطٍ، لِأَنَّ أَرْضَهُمُ ائْتَفَكَتْ بِهِمْ، أَيِ انْقَلَبَتْ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقِيلَ: الْمُؤْتَفِكَاتُ كُلُّ مَنْ أُهْلِكَ، كَمَا يُقَالُ: انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا. (أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) يَعْنِي جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقِيلَ: أَتَتْ أَصْحَابَ الْمُؤْتَفِكَاتِ رُسُلُهُمْ، فَعَلَى هَذَا رَسُولُهُمْ لُوطٌ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ بَعَثَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ رَسُولًا، وَكَانَتْ ثَلَاثَ قَرْيَاتٍ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي موضع آخر:" والمؤتفكة" «2» [النجم: 53] عَلَى طَرِيقِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّسُلِ الْوَاحِدَ، كَقَوْلِهِ" يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ" «3» [المؤمنون: 51] وَلَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ غَيْرُهُ. قُلْتُ- وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ" «4». وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الرُّسُلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [قَوْلُهُ تَعَالَى: [«5» (فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) أَيْ لِيُهْلِكَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ. (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ قِيَامِ الحجة عليهم.

[سورة التوبة (9): آية 71]
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)
__________
(1). من ج وك وهـ.
(2). راجع ج 17 ص 118 فما بعد في آية 53 سورة النجم.
(3). راجع ج 12 ص 127 آية 51 سورة المؤمنون.
(4). راجع ج 2 ص 215 وج 12 ص 127.
(5). من ب وج وك وهـ.

الصفحة 202