كتاب اللباب في علوم الكتاب (اسم الجزء: 8)

قال القرطبي: «وليس بُلُوغ الأشُدِّ مما يُبِيحُ به قُرْب ماله بغير الأحْسَن؛ لأن الحُرْمَة في حقِّ البَالِغ ثابِتَةٌ، وخصَّ اليتيم بالذِّكر؛ أن خَصِيمَهُ الله - تعالى - والمعنى لا تَقْرَبُوا مال اليَتيم إلا بالَّتِي هي أحْسَن على الأبَدِ حَتِّى يَبْلُغ أشُدَه، وفي الكلام حَذْف تقديره: فإذا بَلَغَ أشُدَّه وأنِس منه الرُّشْد، فادْفَعُوا إليه مَاله» .
والأشُدُّ: اختلف النَّحْويُّون فيه على خمسة أوجه:
فقال الفرَّاء: «هو جمع لا وَاحِد له، والأشُدُّ واحدُها» شَدٌّ «في القياس، ولم أسْمَع لها بِوَاحدٍ» .
وقيل: هو مُفْرَدٌ لا جمع، نقل ابن الأنْبَاري ذلك عن بعض أهْل اللَّغَة، وأنه بِمَنْزلة «الآنُك» ونقل أبو حيَّان عنه: أن هذا الوَجْه مُخْتَاره في آخرين، ثم قال: «ولَيْ بمختارٍ؛ لفقدان أفْعُل في المُفْرَادَات وضعاً» .
وقيل: هو جَمْع «شدَّة» و «فِعْلَة» يُجْمَع على أفْعُل «؛ كنِعْمَة وأنْعُم، قال أبو الهَيْثَم، وقال: و» كأن الهَاءَ في الشِّدَة والنِّعْمَة لم تكن في الحَرْف، إذا ان زَائِدَة، وكان الأصلُ نِعْم وشِدّ فَجُمِعَا على «أفْعُل» ؛ كما قالوا: رِجْل وأرْجُل، وقِدْح وأقْدُح، وضِرْس وأضْرُس «.
وقيل: هو جمع شُدّ [بضم الشِّين نقله ابن الأنْبَاري عن بعض البَصْرِيِّين؛ قال: كقولك: هو وُدُّ، وهم أوُدُّ] .
وقيل: هو جمع شَدّ بفتحها، وهو مُحْتَمل.
والمراد هُنَا ببلوغ الأشد: بُلُوغ الحُلُم في قَوْل الأكْثَرِ؛ لأنه مَظِنَّة ذلك.
وقيل: هو مَبْلَغ الرِّجَال من الحِيلة والمَعْرِفة. وقيل: هو مَبْلَغ خمسة عشر إلى ثلاثين.
وقيل: أن ثلاثة وثلاثين.
وقيل: أرْبَعِين.
وقيل: سِتِّين، وهذه لا تَلِيق بهذه الآيةِ، إنما تليق بقوله - تعالى -: {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] وتقدم منه طرف في النساء.
والأشُدُّ مشتق من الشِّدَّة؛ وهي القُوَّة والجلادة، وأنشد الفرَّاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: [البسيط]
2382 - قَدْ سَادَ وهو فَتَى حَتَّى إذَا بَلَغَتْ ... أشُدُّهُ وعَلاَ فِي الأمْرِ واجْتَمَعَا

الصفحة 512

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text