كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 160
أي هؤلاء الذي يسألون عنه سؤال استهزاء ويستبعدونه ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما هو في غاية السهولة ) من الأجداث ) أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت وقع الحافر الخف ، فهم بحيث لا يدفعون شيئاً يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ ، فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم ) سراعاً ) أي نحو صوت الداعي .
ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام المنصوبة ، وعادتهم - هم بالخصوص - المبادرة إلى الأنصاب التي يبعدونها ما هي عليه من الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشاً في الحلوم قال : ( كأنهم إلى نصب ) أي علم منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول : هذا نصب عيني وضرب الأمير - هذا على قراءة الجماعة بالفتح ، وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم : إلى علم أو شيء يبعدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء ، أو الحجر يذبحون عليه ، قال في الجمع بين العباب والمحكم : النَصْب والنُصْب والنُصُب : الداء والبلاء : والنُصُب كل ما نصب فجعل علماً ، والنَصْب والنَصَب : العلم المنصوب ، والنُصْب والنُصُب : كل ما عبد من الله ، والجمع أنصاب ، والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح عليها لغير الله ، وانصاب الحرم : حدوده ، وقال أبو حيان : والنصب ما نصب للإنسان فهو يقصده مسرعاً إليه نم علم أو بناء أو صنم ، غلب في الأصنام حتى قيل : الأنصاب ) يوفضون ) أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره حتى كأنه يطرد إليه كما كانوا يسرعون إلى أنصابهم .
ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور ، أخبر أن هذا على خلاف ذلك ، وأن ذكر النصب وتصير حالة الإتيان إليه ما كان إلا تهكماً بهم فقال : ( خاشعة ) أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل والصغار ، وأحلقها علامة التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله : ( أبصارهم ( .
ولما كان خشوعها دائماً فعبر بالاسم ، وكان ذلهم يتزايد في كل لحظة عبر بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال : ( ترهقهم ) أي تغشاهم فتعمهم ، وتحمل عليم فتكلفهم كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم ) ذلة ( ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في الآخرة ، ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة .
ولما صوره بهذه الصورة أشار إلى أن هذا ما تدركه العقول من وصفه وأنه أعظم