كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 212
ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال : ( يوم ترجف ) أي تضطرب وتتزلزل زلزالاً شديداً ) الأرض ) أي كلها ) والجبال ( التي هي أشدها .
ولما كان التقدير : فكانت الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ، عطف عليه قوله : ( وكانت الجبال ) أي التي هي مراسي الأرض وأوتادها ، وعبر عن شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد فقال : ( كثيباً ) أي رملاً مجتمعاً ، فعيل بمعنى مفعول ، من كثبه - إذا جمعه ، ومادة كثب بتركيبها كثب - وكبث تدور على الجمع مع القرب ، وتلزمه القلة ، فإن حقيقة القرب قلة المسافة زماناً أو مكاناً ، والنعومة ، من كثبت التراب : درسته ، وكثب عليه - بمعنى حمل أوكر ، معناه قارب أن يخالطه ، وكثيب الرمل : قطعه تنقاد محدودبة - ناظر إلى القلة من معنى قطعاً ، وكل ما أنصب كذلك أيضاً لأن الانصاب عادة يكون لما قل وأما نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضاً أي كثير فجاءته الكثرة من الصيغة ، والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها ، والكثبة من الأرض : المطمئنة بين الجبال - لأنها تكون صغيرة غالباً ، وكباث كسحاب : النضيج من ثمر الأراك ، وقيل : ما لم ينضج ، وقيل : حمله إذا كان متفرقاً ، فإن أريد النضيج منه فتسميته به لأنه مجتمع ، وإن أريد ما لم ينضج فهو من مقاربة النضج ، وإن أريد المتفرق فلقرب بعضه من بعض لأن الأراك نفسه صغير الشجر ، وكبث اللحم - كفرح : بات مغموماً فتغير أو أروح أي جمع على إنائه الذي هو فيه إناء آخر ، أو جمع ما هو فيه حتى تضايق فهو من الجمع لهذا ، وأما الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة : الصلب الشديد ، فهو في الغالب من تجمع أجزائه والقرب معاً ، وأما كثبت كنانته - بمعنى نكثها ، فكان فعل استعمل هنا للإزالة ، أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها نم رميه بتسييرها لسرعة التناول .
ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازاً على ما ارتفع وإن لم يكن ناعماً قال : ( مهيلاً ) أي رملاً سائراص رخوياً ليناً منثوراً ، من هاله إذا نثره ، وقال الكلبي : هو الذي إذا أخذت منه شيئاً تبعك ما بعده ، ولما ذكر العذاب ووقته وقدمهما ليكون السامع أقبل لما يطلب منه ، أتبعهما السبب فيه مشيراً إلى ما به إصلاح أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب ، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم : ( إنا أرسلنا ) أي بما لنا من العظمة ) إليكم ( يا أهل مكة شرفاً لكم خاصة ، وإلى كل من بلغته الدعوة عامة ) سولاً ) أي جداً هو محمد ( صلى الله عليه وسلم ) خاتم النبيين وإمامهم ( صلى الله عليه وسلم ) ) شاهداً عليكم ) أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو الحق يوم ننزع من كل أمة شهيداً وهو يوم القيامة .

الصفحة 212