كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 221
ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعاً واحداً فلزم من ذلك إخفاء نفسه الشريفة ، أمره ( صلى الله عليه وسلم ) بالقيام ، وسبب عنه الإنذار إشارة إلى أن ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير الذيل والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار ، فهو مناف للتدثر بكل اعتبار فقال : ( قم ) أي مطلق قيام ، ولا سيما من محل تدثرك بغاية العزم والجد .
ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله والناس قد عمهم الفساد ، ذكر أحد وصفي الرسالة إيذاناً بشدة إليه فقال مسبباً عن قيامه : ( فأنذر ) أي فافعل الإنذار لكل من يمكن إذناره فأنذر من كان راقداً في غفلاته ، متدثراً بأثواب سكراته ، لاهياً عما أماه من أهوال يوم القيامة ، وكذا من كان مستيقظاً ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشيته فتراته ، فإنه يجب على كل مربوب أن يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه بما أقله الإعراض عنه ، وحذف المفعول إشارة إلى عموم الإنذار لكل من يمكن منه المخالفة عقلاً وهم جميع الخلق ، وذلك أنه ( صلى الله عليه وسلم ) كان نزل عليه جبريل عليه لاسلام ب
77 ( ) اقرأ باسم ربك ( ) 7
[ العلق : 1 ] ونحوها فكان بذلك نبياً ثم نزلت عليه هذه الآية فكان بها رسولاً ، وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء ، فلما سمع الصوت نظر يميناً وشمالاً فلم ير شيئاً ، فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسلام جالس على عرش بين السماء والأرض ، ففرق من ذلك أشد الفرق ، فبادر المجيء إلى البيت ترجف بوادره وقال : ( دثروني دثروني ، لقد خشيت على نفس ، صبوا عليّ ماءً بارداً ) .
ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون ، وذلك عظيم على الإنسان ، وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين : تركه مما يؤمر به ، وطلبه عليه الأجر ، كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه ، وبعده عن أخذ الأجر عليه ، أمره بتعظيم نم أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر كل شيء دونه ، فهان عليه الدعاء وكان له معيناً على القبول فقال : ( وربك ) أي المربي لك خاصة ) فكبر ) أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد والاجتهاد أن تصفه وحده بالكبرياء قولاً واعتقاداً على كل حال ، وذلك تنزيهه عن الشرك أول كل شيء ، وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل ، ومن سؤال غيره ، والاشتغال بسواه .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ملاءمتها لسورة المزمل واضحة ، واستفتاح

الصفحة 221