كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 232
ولما أثبت لكل من الجاهل والعالم ما أثبت ، أكده بنفي ضده مبيناً للفتنة فقال : ( ولا يرتاب ) أي يشك شكاً يحصل بتعمد وتكسب ) الذين أوتوا الكتاب ( لما عندهم من العلم المطابق لذلك ، قال ابن برجان : وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ( إن قوماً من أهل الكتاب جاؤوا إليه في قضية - فيها طول ، وفيها أنهم سالوه عن خزنة جهنم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بيده هكذا وهكذا ، في مرة عشرة وفي مرة تسعة ( ، فقالوا : بارك الله فيك يا أبا القاسم ، ثم سألهم : ( ما خزنة الجنة ( ؟ فسكتوا هيبة ثم قالوا : خبزة يا أبا القاسم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( الخبزة من الدرمك ( ) والمؤمنون ) أي لا يرتاب الذين رسخ الإيمان عندهم لما رأوا من الدلائل التي جعلتهم في مثل ضوء النهار ) وليقول الذين ( استقر ) في قلوبهم مرض ) أي شك أو نفاق وإن قل ، ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين علم من أعلام النبوة ، ولا ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور مقصودة لشيء بالقصد الأول ، ثم يرتب عليها شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول : خرجت من البلد لمخالفة أكثر ومخافة الشر لا يتعلق بها الغرض ) والكافرون ) أي ويقول الراسخون في الكفر الجازمون بالتكذيب المجاهرون به الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق ) ماذا ) أي أي شيء ) أراد الله ) أي الملك الذي له جميع العظمة ) بهذا ( : أي العدد القليل في جنب عظمته ) مثلاً ) أي من جهة أنه صار بذلك مستغرباً استغراب المثل ، أو أن ذلك إشارة إلى أنه ليس المراد به ظاهره بل مثل لشيء لم يفهموه وفهموا أن بين استجماعه للعظمة وهذا العدد عناداً ، وما علموا أن القليل من حيث العدد قد يكون أعظم بقوته من الكثير العدد ، ويكون أدل على استجماع العظمة .
ولما كان التقدير : أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي ، وهداية من اهتدى وهو لا يبالي ، كان كأنه قيل : هل يفعل مثل هذا في غير هذا ؟ فقال جواباً : ( كذلك ) أي مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية ) يضل الله ) أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ) من يشاء ( بأي كلام شاء ) ويهدي ( بقدرته التامة ) من يشاء ( بنفس ذلك الكلام أو بغيره ، وذلك من حكم جعل الخزنة تسعة عشر والإخبار عنهم بتلك العدة فإن إبراز الأحكام على وجه الغموض من أعظم المهلكات والمسعدات ، لأن المنحرف الطباع يبحث عن عللها بحثاً متعنتاً ، فإذا عميت عليه قطع ببطلان تلك الأحكام أو شك ، وربما أبى الانقياد ، وذلك هو سبب كفر غبليس والمستقيم المزاج يبحث مع التسليم فإن ظهر له الأمر ازداد

الصفحة 232