كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 237
وحقيقة ، ومطلق التصوير أسهل من التحقيق ، ومن صور شيئاً كان أقرب إلى تحقيقه ممن لم يصوره ، فكان أجدر بتحقيقه ممن لم يباشر تصويره ، ففيه حث على المسابقة إلى الأعمال الصالحة وإن لم تكن النية خالصة ، وإيذان بأن من ادمن ترك الأعمال قاده إلى الانسلاخ من حسن الإعتقاد ، وورطه في الضلال ، ) لم نك ( حذفوا النون دلالة على ما هم فيه من الضيق عن النطق حتى بحرف يمكن الغتناء عنه ، ودلالة على أنه لم يكن لهم نوع طبع جيد يحثهم على الكون في عداد الصالحين ، وكان ذلك مشيراً غلى عظيم ما هم فيه من الدواهي الشاغلة بضد ما فيه أهل الجنة من الفراغ الحامل لهم على السؤال عن أحوال غيرهم ، وكان ذلك منبهاً على فضيلة العلم : ( من المصلين ) أي صلاة يعتد بها ، فكان هذا تنبيهاً على أن رسوخ القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم ، وعلى أنهم يعاقبون على فروع الشريعة وإن كان لا تصح منهم ، فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتد بها ، وعلى أن الصلاة أعظم الأعمال ، وأن الحساب بها يقدم على غيرها .
ولما نفوا الوصلة بالخالق ، أتبعوه إفساد القوة العملية بعدم وصلة الخلائق بترك الشفقة على خلق الله فقالوا : ( ولم نك ( بحذف النون أيضاً لما هم فيه من النكد ونفياً لأدنى شيء من الطبع الجيد ) نطعمك المسكين ) أي لأجل مسكنته ، نفوا هنا وجود إطعامه لأنهم إن اتفق إطعامهم له فلعله أخرى غير المسكنة ، وأما الصلاة فهم يوجدونها لله بزعمهم ، لكن لما كانت على غير ما أمروا به لم تكن مقبولة فلم يكونوا من الراسخين في وصفها .
ولما سلبهم التحلي بلباس الأولياء أثبت لهم التحلي بلباس الأشقياء بإفساد القوة النطقية جامعاً القول إلى الفعل فقالوا : ( مع الخائضين ( بحيث صار لنا هذا وصفاً راسخاً فنقول في القرآن : إنه سحر ، وإنه شعر ، وإنه كهانة وغير هذا من الأباطيل ، لا نتورع عن شيء من ذلك ، ولا نقف مع عقل ، ولا نرجع إلى صحيح نقل ، فليأخذ الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت منزلتهم من هنا .
ولما كان الإدمان على الباطل يجر إلى غلبة الهزء والسخرية ، وغلبه ذلك ولا بد توجب إفساد القوة العلمية بتصديق الكذب وتكذيب الصدق ، قالوا بياناً لاستحبابهم الخلود : ( وكنا نكذب ) أي بحيث صار لنا ذلك وصفاً ثابتاً ) بيوم الدين ( ولما كان التقدير : واستمر تكذيبنا لصيرورته لنا أوصافاً ثابتة .
بنوا عليه قولهم : ( حتى أتانا ) أي قطعاً ) اليقين ) أي بالموت أو مقدماته التي قطعتنا عن دار العمل فطاح الإيمان بالغيب .