كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 254
) وقيل ) أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام استبعاد : ( من راق ) أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى الشافية ليرقيه فيخلصه مما هو فيه فإنه صار إلى حالة لا يحتمل فيها دواء فلا رجاء إلا في الرقى ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا القول من بعض الملائكة للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى السماء : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في المضارع ، والثاني الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضر والكسر في المضارع .
ولما كان الإنسان مطبوعاً على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء ، عبر عما هو أهل للتحقق بالظن فقال : ( وظن ) أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو القائل ( هل من راق ) من أهله ) أنه ) أي الشأن العظيم الذي هو فيه ) الفراق ) أي لما كان فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله ، ففي الخبر أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول : السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة : ( والتفت الساق ) أي هذا النوع ) بالساق ) أي انضمت إليها واتصلت بها ودارت إحادهما بالأخرى فكانتا كالشيء الواحد ، وهو كناية عن الموت لأن المشي لا يكون إلا مع انفصال إحدى الساقين في مثل هذا السياق إلا في أمر شديد مثل ( شمر عن ساق ) وإذا اشتد حراب المتحاربين : ( دنت السوق بعضها في بعض ) فلا افتراق إلى عن موت أحدهما أو أشد من موته من هزيمته ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كناية عن اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ، وجواب إذ محذوف تقديره : زال تعلقه الذي كان بالدنيا وحبه لها وإعراضه عن الآخرة .
ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ، ذكر غاية ذلك فقال مفرداً النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره : ( إلى ربك ) أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما بلغته عنه ونصرك على كل من ناواك ، لا إلى غيره ) يومئذ ) أي إذ وقع هذا الأمر ) المساق ) أي السوق وموضع السوق وزمانه ، كل ذلك داخل في حكمه ، قد انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا ، فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة وإما إلى شقاوة بينة ، أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على الله تعالى فلا ينفعه إذا حقق له الوعظ بالموت قوله : أموت فأستريح ، فإنه يرجع بالموت إلى سيده ، فإن كان مطيعاً لقيه بما يرضيه ، وإن كان عاصياً لقيه بما يلقى به العبد الآبق على قدر إباقه .

الصفحة 254