كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 256
كان على هذه الحالة عند أغلب الناس ، أخبر بما هو حقيق أن يقال له في موضع ( تحية أهله ) من التهديد العظيم فقال : ( أولى لك ) أي أولاك الله ما تكره ، ودخلت اللام للتأكيد بقوله : ( فأولى ) أي ابتلاك الله بداهية عقب داهية ، وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه على مدى الأعصار ، فقال مشيراً بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة استحقاقه لهذا التأكيد : ( ثم أولى لك ) أي ألها الذي قد أحل نفسه بالغفلة دون محل البهائم ) فأولى ) أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة متوالياً وتارة متراخياً ، وبعضها أعظم من بعض ، لحقك ذلك لا محالة ، فإن هذا دعاء ممن بيده الأمر كله ، ويجوز أن يكون المعنى : أولى لك أن تترك ما أنت عليه وتقبل على ما ينفعك ، وقال ابن جرير في تفسير المدثر : إن أبا جهل لما استهزأ على جعل مزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له : أولى لك - إلى آخرها ، فلما قال ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال أبو جهل : والله لا تفعل أنت وربك شيئاً ، فأخزاه الله يوم بدر - انتهى .
ويمكن تنزيل الكلمات الأربع على حالاته الأربع : الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول النار ، فيكون المعنى : لك المكروه الآن في الموت والبعث ودخول النار .
قال البغوي : وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( إن لكل أمة فرعوناً ، وإن فرعو هذه الأمة أبو جهل ) وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها جميع الأعمال التي هي عمادها ، فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة ، فهنالك يقال له : بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى .
ولما كان هذ فعل من أعرض عن الله أصلاً فلم يخطر شيئاً من عظمته على باله ، فكان ظاناً أنه مهمل لا مالك له وأنه هو السيد لا عبودية عليه ، فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا بمقتضى شهواته ، قال منكراً ليه معبراً بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل : ( أيحسب ) أي أيجوز لقلة علقه ) الإنسان ) أي الذي هو عبد مربوب ضعيف عاجز محتاج بما يرى في نفسه وأبناء جنسه .
ولما كان الحامل على الجراءة مطلق الترك هملاً ، لا كون الترك من معين ، قال بانياً للمفعول : ( أن يترك ) أي يكون تركه بالكلية ) سدى ) أي مهملاً لاعباً لاهياً لا يكلف ولا يجازى ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن شكره فيما