كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 266
وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً ) 73
( ) 71
ولما قسمهم إلى القسمين ، ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفاً جواب من يسأل عن ذلك مبشراً لشاكر الذي اتعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات لروح وريحان وجنة نعيم ، ومنذراً للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم ، مقدماً للعاصي لأن طريق النشر المشوش أفصح ، وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ليتعادل الخوف والرجاء ، وليكون الشاكر أولاً وآخراً ، ولأن الانقياد بالوعيد أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة التكاليف الشرعية ، وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين ، فإنها لا يفهمها إلا الخواص ، وأكد لأجل تكذيب الكفار : ( إنا ) أي على ما لنا من العظمة ) أعتدنا ) أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة ) للكافرين ) أي العريقين في الكفر خاصة ، وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقياً فقال : ( سلاسلاً ( يقادون ويرتقون بها ، وقراءة من نوّن مشيرة إلى أنها عظيمة جداً ، وكذا وقف أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف ) وأغلالاً ) أي جوامع تجمع أيديهم إلى أعناقهم فيها فيهانون بها ) وسعيراً ) أي نهاراً حامية جداً شديدة الاتقاد .
ولما اوجز في جزاء الكافر ، أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه تأكيداً للترغيب ، فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف بأتمه وأجله ، فقال مستنأفاً مؤكداً بتكذيب الكافر مبيناً بذكر الخمر على هذه الصفة أنهم في أنها ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ومتمماتها : ( إن الأبرار ( بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب ، أو بار كأشهاد جمع شاهد ، وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا ) يشربون ) أي ما يريدون شربه ) من كأس ) أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه ) كان مزاجها ) أي الذي تمزج به ) كافوراً ) أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه ، وذكر فعل الكون يدل على أن له شأناً في الزج عظيماً يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد .
ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامداً ، بين أنه هناك ليس كذلك ، فقال مبدلاً من ( كافور ) : ( عيناً يشرب بها ) أي بمزاجها كما تقول : شربت الماء بالعسل ) عباد الله ) أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه .

الصفحة 266