كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 270
إلى حركة أصلاً ، ودل على الملك بقوله ) على الأرائك ) أي الأسرة العالية التي في الحجال ، لا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة ، وقال بعضهم : هي السرير المنجد في قبة عليه شواره ونجده أي متاعه ، وهي مشيرة إلى الزوجات لأن العادة جارية بأن الأرئك لا تخلو عنهن بل هي لهن لاستمتاع الأزواج بهن فيها .
ولما كانت بيوت الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها من موضع إلى موضع لأجل الحر أو البرد ، بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء في لذة العيش وسبوغ الظل واعتدال الأمر ، فقال نافياً ضر الحر ثم البرد : ( لا يرون فيها ) أي بأبصارهم ولا بصائرهم أصلاً ) شمساً ) أي ولا قمراً ) ولا ) أي ولا يرون فيها أيضاً ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى ) زمهريراً ) أي برداً شديداً مزعجاً ولا حراً ، فالآية من الاحتباك : دل بنفي الشمس أولاً على نفي القمر ، لأن ظهوره بها لأن نوره اكتساب سببه الشمس ، فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين ، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين على معرفة زمان لأنه لا تكليف فيها بوجه ، وأنها ظليلة ومعتدلة دائماً لأن سبب الحر الآن قرب الشمس من مسامته الرؤوس ، وسبب البرد بعدها عن ذلك .
ولما كانت ترجمة هذا كما مضى : جنة ظليلة ومعتدلة ، عطف عليه بالواو دلالة على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ما قبله قوله : ( ودانية ) أي قريبة من الارتفاع ) عليهم ظلالها ( من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال ) وذللت قطوفها ( جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي المجنية ) تذليلاً ) أي سهل تناولها تسيهلاً عظيماً لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كان من اتكاء وغيره ، فإن كانوا قعوداً تدلت إليهم ، وإن كانوا قياماً وكانت على الأرض ارتقت إليهم ، وهذا جواء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله .
ولما كان الدوران بالآنية متجدداً ، عبر فيه بالمضارع ، وبناه للمفعول أيضاً لأنه المقصود مطلقاً منغير تعيين طائفة فقال : ( ويطاف ) أي من أيّ طائف كان لكثرة الخدم ) عليهم بآنية ( جمع إناء جزاء على طوافهم على المحتاجين بما يصلحهم .
ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ في سورة القيامة من الكفر ، وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب الخطاب ، اقتصر في الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في فاطر والحد المعبر فيهما بالناس ، فلعل هذا لصنف وذاك لصنف أعلى منه مع إمكان الجمع والمعاقبة ، وأما من هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ومن فوقهم فلهم فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين

الصفحة 270