كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 291
ظرفه ، قال منبهاً على أنه أريد بالفاكهة جميع المآكل ، وإنما عبر بها إعلاماً بأن كل أكل فيها تفكه ليس منه شيء لجلب نفع غير اللذة ولا دفع ضر : ( كلوا ) أي مقولاً لهم تناولوا جميع المآكل على وجه التكفه التلذذ لا لحفظ الصحة فإنها حاصلة فإنها حاصلة بدونه ) واشربوا ) أي من جميع المشارب كذلك فإن عيونها ليست من الماء خاصة بل من كل شراب أكلاً وشرباً ) هنيئاً ( ليس في شيء من ذلك توقع ضر ، وزاد في نعيمهم بأن جعل ذلك عوضاً فقال : ( بما كنتم ) أي بجبلاتكم التي جبلتكم عليها ) تعلمون ) أي في الدنيا من الأعمال الصالحة المبنية على أساس العلم الذي أفاد التصديق بالجنة فأوجب دخولها كما أوجب تكذيب المجرمين بالنار دخولهم إياها وعذابهم بها ، وتكذبيهم بالجنة طردهم عنها وحرمانهم جزاء وفاقاً .
ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا الناس معينين في زمن مخصوص قال معلماً بالعتميم مؤكداً رداً على من ينكر : ( إنا ) أي بما لنا من العظمة ) كذلك ) أي مثل هذا الجزاء العظيم ) نجزي المحسنين ) أي كل من كان عريقاً في وصف الإحسان لسنا كملوك الدنيا ، يعوقهم عن الإحسان إلى بعض المحسنين عندهم بما يرونه جزاء لهم بعضُ أهل مملكتهم لما لهم من الأهوية ولملوكهم من الضعف .
ولما كان هذا النعيم عذاباً عظيماً على من لا يناله قال : ( ويل يومئذ ) أي أذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين ) للمكذبين ) أي الذين يكذبون بأن الجبال تنسف فتكون الأرض كلها سهلة دمثة مستوية لا عوج فيها أصلاً صالح للعيون والاشجار والتبسط في أرجائها كيفما يريد صاحبها ويختار .
ولما ذكر نعيم أهل الجنة الذي لا ينقضي لأن لهم غاية المكنة فيه ، وكان ذلك آجلاً ، وكان المكذبون في اتساع في الدنيا ، وتقدم قوله تعالى
77 ( ) إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ( ) 7
[ الطور : 7 ] وكان الشقاء متى وقع بعد نعيم نسخه وعد النعيم ولو كان كثيراً طويلاً قليلاً ، قال نتيجة لجواب القسم ضد ما يقال للمتقين تسلية لهم وتحزيناً للمكذبين بناء على ما تقديره : إن المكذبين في هذه الدنيا في استدراج وغرور ، ويقول لهم لسان الحال المعرب عن أحوالهم في المآل توبيخاً وتهديداً : ( كلوا ) أي أيها المكذبون في هذه الدنيا ) وتمتعوا ) أي كذلك بمثل اليجفة ، فإن المتاع من أسمائها كما مر غير مرة عن أهل اللغة ) قليلاً ) أي وإن امتد زمنه فإنه زائل مع قصر مدته في مدة الآخرة ، ولا يؤثر ذلك على الباقي النفيس إلا خسيس الهمة ، قال الرازي ، وقال بعضهم : التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من افعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الإذن والأخذ منها على قدر الحاجة