كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 298
سِرَاجاً وَهَّاجاً وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ) 73
( ) 71
ولما ذكر النوم ، اتبعه وقته الأليق به مذكراً بنعمة الظرف الزماني بعد التذكير بالظرف المكاني ، فقال دالاً بمظهر العظمة على عظمه : ( وجعلنا الّيل ) أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن ) لباساً ) أي غطاء وغشاء ساتراً بظلمته ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن المعاش ) وجعلنا النهار ) أي الذي آيته الشمس ) معاشاً ) أي وقتاً للتقلب الذي هو من أسباب التحصيل الذي هو من أسباب المعاش ، وهو العيش ووقته وموضعه ، مظهراً لما ستره الليل ، فالآية من الاحتباك : ذكر اللباس أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً والمعاش ثايناً دليلاً على حذف ضده أولاً .
ولما ذكر المهاد وما فيه ، أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزمان وما يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه من العباد فقال : ( وبنينا ) أي بناء عظيماً ) فوقكم ) أي عاماً لجميع جهة الفوق ، وهي عبارة تدل على الإحاطة ) سبعاً ) أي من السماوات ) شداداً ) أي هي في غاية القوة والإحكام ، لا صدع فيها ولا فتق ، لا يؤثر فيها كر العصور ولا مر الدهور ، حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور .
ولما ذكر السقف : ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر العظمة على عظمها : ( وجعلنا ) أي مما لا يقدر عليه غيرنا ) سراجاً ) أي نجماً منيراً جداً ) وهاجاً ) أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار مضطرم الاتقاد وهو الشمس ، من قولهم : وهج الجوهر : تلألأ ، والجمر : اتقد .
ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته ، أتبعه ما يطفئ الحرارة برطوبته وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب ، التي بها تمام الحياة ويكون تولدها من الظرف بالمهاد والسقف ، وجعل ذلك أشبه شيء بما يتولد بين الزوجين من الأولاد ، فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة ، والماء كالمني ، والنبات من النجم والشجر كالأولاد فقال : ( وأنزلنا ) أي مما يعجز غيرنا ) من المعصرات ) أي السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن يعرصها الرياح فتمطر كما حصد الزرع إذا حان له أن يحصد ، قال الفراء : المعصر ، السحابة التي تتحلى بالمطر ولا تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا حيضها ولم تحض ، وقال الرازي : السحائب التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت من الحيض ) ماء ثجاجاً ) أي منصباً بكثرة يتبع بعضه بعضاً ، يقال : ثجه وثج بنفسه .