كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 303
النبأ : ( 29 - 35 ) وكل شيء أحصيناه. .. . .
) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً ( ( )
ولما كان التقدير : فكل شيء جعلنا له وزاناً ، عطف عليه قوله : ( وكل شيء ) أي مطلقاً من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع عليه الحساب ) أحصيناه ( ولما كان الإحصاء موافقاً للكتابة في الضبط ، أكد فعله بها فقال : ( كتاباً ( فلا جائز أن نترك شيئاً من الأشياء بغير جزاء ، ويمكن تنزيل الآية على الاحتباك وهو أحسن : دل فعل الإحصاء على حذف مصدره ، وإُبات مصدر ( كتب ) عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتاباً ، وذلك الإحصاء والكتب لعدم الظلم .
ولما ذكر عذابه ووجه موافقته لجزائهم ، سبب عن تكذيبهم ما يقال لهم بلسان الحال أو المقال إهانة وزيادة في الجزاء على طريق الالتفات المؤذن بشدة الخزي والغضب عليهم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى فقال : ويجوز أن يكون سبباً عن مقدر بعد ( كتاباً ) نحو : ليجازيهم على كل شيء منه ، قائلاً لهم على لسان الملائكة أو لسان الحال : ( فذوقوا ) أي من هذا العذاب في هذا الحال بسبب تكذيبكم بالحساب ، وأكد ذوقهم في الاستقبال فقال : ( فلن نزيدكم ) أي شيئاً من الأشياء في وقت من الأوقات ) إلا عذباً ( فإن دراكم ليس بها إلا الجحيم كما أن الجنة ليس بها إلا النعيم ، فأفهم هذا أن حصول شيء لهم غير العذاب محال .
ولما ذكر جزاء الكافرين وأشعر آخره بكونه إخزاء ، ذكر جزاء المؤمنين المخالفين لهم فقال مستأنفاً مؤكداً لتكذيب الكافرين به : ( إن للمتقين ) أي الراسخين في الخوف المقتضي لاتخاذ الوقاية مما يخاف فوقوا أنفسهم من سخط الله بما يرضيه من الأعمال والأقوال والأحوال ) مفازاً ) أي فوزاً وموضع فوز وزمان فوز بالراحة الدائمة من جميع ما مضى ذكره لطاغين الذين هم أضدادهم ، وقد كشفوا أنفسهم للعذاب كل الكشف ، ثم فسره أو أبدل منه على حذف مضاف أي فوز : ( حدائق ) أي بساتين فيها أنواع الأشجار ذوات الثمار والرياحين لتجمع مع لذة المطعم لذة البصرة والشم ، قد أحدقت بها الجدران وحوطت بها ، قال ابن جرير : فإن لم تكن بحيطان محدقة بها لم يقل لها حديقة .
وخص أشجار العنب لطيبها وحسنها وشرفها وما فيها من لذة الذوق وعبر عن أشجارها بثمرتها إعلاماً بأنها لا توجد إلا موقرة حملاً وأن ثمرتها هي جل منفعتها فقال : ( وأعناباً (