كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 314
المحسن إليه بإيجاده وتقريبه وتدبيره أمر إرساله وتقديره ) بالواد المقدس ) أي المطهر غاية التطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة المفيضة للبركات ، ثم بينه بقوله : ( طوى ( وهو الذي طوى فيه الشر عن بني إسرائيل ومن أراد الله من خلقه ونشر بركات النبوة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه ، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه ، فإن العلماء قالوا : إن عذاب القبر أي عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة .
وهو واد بالطور بين أيلة ومصر .
ولما ذكر المناداة فسر ثمرتها بقوله مستأنفاً منبهاً لأصحاب الشهوة المعجبين المتكبيرين ، وقد أرشد السياق إلى أن التقدير ، نناداه قائلاً : ( اذهب إلى فرعون ) أي ملك مصر الذي كان استعبد بني إسرائيل ثم خوّف من واحد منهم فصار يذبح أبناءهم خوفاً منه وهو أنت فربيناك في بتيه لهلاكه حتى يعلم أنه لا مفر من قدرنا ، فكنت أعز بني إسرائيل ، وكان سبب هلاكه معه في بتيه بمرأىً منه ومسمع وهو لا يشعر بذلك ثم قتلت منهم نفساً وخرجت من بلدهم خائفاً تترقب .
ولما أمره بالذهاب إليه ، علله بما يستلزم إهلاكه على يده عليه الصلاة والسلام إشارة له بالبشارة بأنه لا سبيل له عليه ، ولذلك أكده لأن مثل ذلك أمر يقتضي طبع البشر التوقف فيه فقال : ( إنه طغى ) أي الحد وتجاوز الحد فاستحق المقابلة بالجد ، ثم سبب عن الذهاب إليه قوله ) فقل ) أي له تفصيلاً لبعض ما تقدم في ( طه ) من لين القول ولطف الاستدعاء في الخطاب : ( هل لك ) أي ميل وحاجة ) إلى أن تزكّى ) أي تتحلى بالفضائل ، وتتطهر من الرذائل ، ولو بأدنى أنواع التزكي : الطهارة الظاهرة والباطنة الموجبة للنماء والكثرة ، وإفهام الأدنى بما يشير إليه إسقاط تاء التفعل المقتضي للتخفيف ، وذلك بالإذعان المقتضي للإيمان وإرسال بني إسرائيل ، وقرأ الحجازيان ويعقوب بالتشديد أي تزكية بليغة لأن من دخل في التزكي على يد كامل لا سيما بني من أولي العزم أوشك أن يبلغ الغاية في الزكاء .
ولما أشار له الطهارة عن الشرك ، أتبعها الأعمال فقال : ( وأهديك ) أي أبين لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس : كيف المسير ) إلى ربك ) أي الموجد لك والمحسن إليك والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال وما يغضبه من الخصال بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال ) فتخسى ) أي فيتسبب عن ذلك أنك تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفاً عظيماً ، فتؤدي الواجبات وتترك المحرمات وسائر المنهيات ، فتصير إلى أعلى رتب التزكية فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا ، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير ، والآمن هو الحامل على الشر .

الصفحة 314