كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 321
النازعات : ( 42 - 46 ) يسألونك عن الساعة. .. . .
) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ( ( )
ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه ، استأنف ذكر استهزائهم تعجيباً منهم فقال : ( يسئلونك ) أي قريش على سبيل التجديد والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد : ( عن الساعة ) أي البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا .
ولما كان السؤال عنها مبهماً بينه بقوله : ( أيان مرساها ) أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها واستقرارها .
ولما كان إيراد هذا هكذا مفهماً للإنكار عليهم في هذا السؤال ، وكان من المعلوم أنه يقول : إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة ( صلى الله عليه وسلم ) إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم ، فطمه عن ذلك وصرح بالإنكار بقوله : ( فيم ) أي في أي شيء ) أنت من ذكراها ) أي ذكرها العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصاً على إسلامهم ، وذلك لا يفيد علمها ، ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من لأنه لا يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال : ( إلى ربك ) أي المحسن إليك وحده ) منتهاها ) أي منتهى علمها وجميع أمرها .
ولما كان غاية أمرهم أنهم يقولون : إنه متقول من عند نفسه ، قلب عليهم الأمر فقال : ( إنما أنت ) أي يا أشرف المرسلين ) منذر ) أي مخوف على سبيل الحتم الذي لا بد منه مع علمك بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه ) من يخشاها ) أي فيه أهلية أن يخافها خوفاً عظيماً فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو قريب ، وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من فيه أهلية الخشية لا يزيده إبهامها إلا خشية ، وغيره لا يزيده ذلك إلا اجتراء وإجراماً ، فما أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها ، فإن النافع الأول دون الثاني ، ولست في شيء مما يصفونك به كذباً منهم لأنا ما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم عينه ، وإنما قصره على من يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره ، فكان كأنه لم يحصل له الإنذار ، ولهذا المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى ، وأما غيره فهو منذر له في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره بمعنى أنه لا يحصل له معنى الإنذار .
ولما أثبت أنه منذر ، وكان أخوف الإنذار الإسراع ، قال مستأنفاً محقراً لهم الدنيا مزهداً لهم فيها : ( كأنهم ) أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها ) يوم يرونها ) أي يعلمون قيامها علماً هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من