كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 324
( صلى الله عليه وسلم ) بسياق الغيبة كما قال سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة : وعلى من ههنا يشير إلى ناحية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهو معرض عنها حياء منه ( صلى الله عليه وسلم ) وإجلالاً له : ( عبس ) أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء من تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري حين يحال بينه وبين مراده ، وآذن بمدحه ( صلى الله عليه وسلم ) بأن ذلك خلاف ما طبعه عليه سبحانه من حرمة المساكين ومحبتهم والسرور بقرهم وصحبتهم بقوله ) وتولى ) أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتلعو كلمة الله لأجل ) أن جاءه الأعمى ( الذي ينبثي أن يبالغ في العطف عليه وفي إكرامه جبراً لكسره واعترافاً بحقه في مجيئه ، وذكره بالوصف للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام والبعث على الرأفة به والحرمة له ، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رآه بعد ذلك قال : ( مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ) واستخلفه على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سواداء رضي الله عنه .
ولما عرف بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال ، وكان طول الإعراض موجباً للانقباض ، أقبل عليه ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : ( وما يدريك ) أي وأي شيء يجعلك داراً بحاله وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا الله تعالى ) لعله ) أي الأعمى ) يزكى ) أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو أحواله الصالحة بما يسمع منك ولوعلى أدنى الوجوه بما يشير إليه إدغام تاء الافتعال ، وكذا قوله : ( أو يذكر ) أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون سبباً لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر فإن الخير لا يحقر شيء منه ، وسبب عن تزكيه وتذكره قوله : ( فتنفعه ) أي عقب تذكره وسببه ) الذكرى ( وفي ذلك إيماء إلى أن الإعراض كان لتزكية غيره وتذكره ، وقراءة النثب على أنه جواب ( لعل ) .
ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلاً عليهم ، بين ذلك فقال : ( أما من استغنى ) أي طلب الغنى وهو المال والثورة فوجده وإن لم يخش ولم يجئ إليك ) فأنت له ) أي دون الأعمى ) تصدى ) أي تتعرض بالإقبال عليه والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه وهم عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلق ، وأشار حذف تاء التفعل في قراءة الجماعة وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه خفيف كما هي عادة العقلاء .