كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 333
تكاد تصمها لشدتها ، وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها وعظيم وجبتها ، وتضطر الآذان إلى أن تصيخ إليها أي تسمع ، وهي من أسماء القيامة ، وأصل الصخ : الضرب بشيء صلب على مصمت .
ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب ، قال مبدلاً من ( إذا ) ما يدل على جوابها من نحو : اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما لغيره : ( يوم يفر المرء ) أي الذي هو أعظم الخلق مروءة : ولما كان السياق للفرار ، قدم أدناهم رتبة في الحب والذب فأدناهم على سبيل الترقي ، وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في ( سأل ) كما مضى فقال : ( من أخيه ( لأنه يألفه صغيراً وقد يركن إليه كبيراً مع طول الصحابة وشدة القرب في القرابة فيكون عنده في غاية العزة .
ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف ، ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم الأخ وهو لها آلف وإليها أحنّ وعليها أرق وأعطف قال ) وأمه ( ولما كان الأب أعظم منها في الإلف لأنه أقرب في النوع وللولد عليه من العاطفة لما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله قال : ( وأبيه ( ولما كانت الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد ، وكان الإنسان أذب عنها عند الاشتداد ، قال : ( وصاحبته ( ولعله أفردها إشارة إلى أنها عنده في الدرجة العليا من المودة بحيث لا يألف غيرها .
ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة بالسر والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره ، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال : ( وبنيه ( وإن اجتمع فيها الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في قلبه أجل وفي عينه أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى .
ولما ذكر فراره الذي منعه قراره ، علله فقال : ( لكل امرئ ) أي وإن كان أعظم الناس مروءة ) منهم يومئذ ) أي إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام ) شأن ) أي أمر بليغ عظيم ) يغنيه ) أي يكفيه وهو المنزل الذي يرضيه مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف أن يطالبوه لما هم فيه من الكرب بما لعله قصر فيه من حقوقهم .
ولما ذكر اليوم ، قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة ، فقال دالاًّ على البواطن بأشرف الظواهر : ( وجوه يومئذ ) أي إذ كان ما تقدم من الفرار وغيره ) مسفرة ) أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة ، ومن أسفر الصبح إذا أشرق واستنار ) ضاحكة ( لما علمت من سعادتها ) مستبشرة ) أي طالبة للبشر وهو تغير البشرة من

الصفحة 333