كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 339
عند موته ، ونشرها مثل تسيير الجبال وتطايرها ، فمن اعتقد أن صحيفته ثابتة فترديه أو تنجيه لم يضع فيها إلا حسناً من قول أو عمل أو اعتقاد .
ولما ذكر ما يطلق وينشر ، أتبعه ما يطوى ويحصر ، ليبدو ما فوقه من العجائب وينظر ، فقال : ( وإذا السماء ) أي هذا الجنس كله ، أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي ) كشطت ) أي قلعت بقوة عظيمة وسرعة زائدة وأزيلت عن مكانها التي هي ساترة له محيطة به ، أو عن الهواء المحيط بسطحها الذي هو كالروح لها كما يكشط الإهاب عما هو ساتر له ومحيط به مع شدة الالتزاق به لأن ذلك يوم الكشف والإظهار
77 ( ) فكشفنا عنك غطاءك ( ) 7
[ ق : 22 ] وكشطها هو مثل انكشاف الناس عن العشار وتفرقهم عنها ، فنم اعتقد زوالها أعرض عن ربط همته بشيء منها وناط أموره كلها بربها .
ولما زالت الموانع ظهرت عجائب الصنائع التي هي غايا المطالب ، ونهايات الرغاب والرهائب ، فقال : ( وإذا الجحيم ) أي النار الشديدة التأجج والتي بعضها فوق بعض والعظيمة في مهواة عميقة ) سعرت ) أي أوقدت إيقاداً شديداً بأيسر أمر وقربت من الكافرين بغاية السرعة ، فكان الأمر في غاية العسر ، وذلك قريب من نتيجة ما يحصل من الهول من حشر الوحوش .
ولما ذكر جار الأعداء البعداء ترهيباً ، أتبعه دار المقربين السعداء ترغيباً ، فقال : ( وإذا الجنة ) أي البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة ) أزلفت ) أي قربت من المؤمنين ونعمت ببرد العيش وطيب المستقر ، ودرجت درجاتها وهيئت ، وملئت حياضها ومصنعها ، وزينت صافها ونظفت أرضها وطهرت عن كل ما يشين ، وحسنت رياضها بكل ما يزين ، من قول أهل اللغة ، الزلف محركة : القربة والدرجة والحياض الممتلئة والزلفة : المصنعة الممتلئة والصحف والأرض المنكوسة ، والزلف بالكسر .
الروضة ، ومعنى هذا ضد سجر البحار ، فالآية من الاحتباك : ذكر التسعير أولاً دال على ضده في الجنة ثانياً ، وذكر التقريب ثانياً دال على مثله أولاً .
ولما كانت هذه الأشياء لهولها موجبة لاجتماع الهم وصرف الفكر عما يشغله من زينة أو لهو أو لعب أو سهو ، فكان موجباً للعلم بما يرجى نعيماً أو يوجب جحيماً ، وكان ذلك موجباً لتشوف السامع إلى ما يكون ، قال تعالى كاشفاً تلك النعمة بالعامل في ( إذا ) وما عطف عليها : ( علمت نفس ) أي كل واحدة من النفوس ، فالتنكير فيه مثله في ( ثمرة خير من جرادة ) ودلالة هذا السياق المهول على ذلك يوجب اليقين فيه ) ما ) أي كل شيء ) أحضرت ) أي عملت وأوجدت ، فكان أهلاً للحضور ، وكان عمله لها