كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 343
ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان ، قال : ( مطاع ثم ) أي في الملأ الأعلى فهم عليه السلام أطوع شيء له ، قال الحسن : فرض الله على أهل السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسلام كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) .
ولما كان ذلك يقتضي الأمانة ، صرح بها فقال : ( أمين ) أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول الأمر موثوق به في أمر الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهراً وفعلاً وحالاً ، ومن كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلاّ في أمر مهم جداً لأن الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك ، ولذلك ائتمنه الله تعالى على رسالته .
ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس ، وكان وصفه بها إنما هو لأجل إثبات شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق ، وهو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بأن ما يقوله كلام الله حقاً ، وكانوا يصفونه بما هو في غاية النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك ، أبطله مبكتاً لهم بالكذب وموبخاً بالبلادة بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه : ( وما صاحبكم ) أي الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين ، وأعرق في النفي فقال : ( بمجنون ) أي كما تبتهونه به من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام ، بل جاء بالحق وصدق المرسلين ، فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء ، وهذا النفي المؤكد ثابت له دائماً على سبيل الاستغراق لكل زمان هذا ما دل عليه الكلام لا ما قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل عليه السلام على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعلى بقية الملائكة ، فإنه ما سيق لذلك ولا هو الله مما يرضي جبريل عليه السلام ، قال الأصبهاني هنا : هذايدل على فضله وأما أنه يدل على أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فلا يمكنه ، وقال في قوله تعالى في البقرة :
77 ( ) وملائكته ورسله ( ) 7
[ البقرة : 285 ] : ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على الرسل ، وأما تقديم جبريل على ميكائل فليس ببعيد أن يكون للشرف كما أن تخصيصهما بالذكر لفضلما ، وقال في النجم : ثم دنا جبريل من ربه عز وجل ، وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث : ( إن أقرب الملائكة إلى الله عز وجل جبريل عليه السلام ) انتهى .
ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية لكن لم أجده .