كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 348
بحيث لا يقر لهم قرار ، قال : ( وإذا الكواكب ) أي النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير في الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة والليل والنهار ، وغير ذلك من المقاصد الكبار ، وكانت محفوظة بانتظام السماء ) انتثرت ) أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطاً كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط .
ولما كان إخباره بمادل على وهي السماء مشعراً بوهي الأرض لأنها أتقن منها وأشرف إذ هي للأرض بمنزلة الذكر للأنثى ، وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير فاعل ، صرح بوهي الأرض معبراً بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله ، وأن ذلك عليه يسير ، فقال مخبراً بانفطار الأراضي أيضاً ليجمع بين التخويف بالمطل والترويع بالمقل : ( وإذا البحار ( المتفرقة في الأرض وهي ضابطة لنفع العباد على كثرتها ) فجرت ) أي تفجيراً كثيراً بزوال ما بينها من البرازخ الحائلة ، وقال الربيع : بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعها ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحراً واحداً ، فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ولا أرض فأين المفر .
ولما كان ذلك مقتضياً لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا يقومون كما كان العرب يعتقدون أن من مات فات ، قال دافعاً لذلك على نمط كلام القادرين إشارة إلى سهولة ذلك عليه : ( وإذا القبور ) أي مع ذلك كله ) بعثرت ) أي نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا ، فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروّعهم .
ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت أشراطاً على الساعة موجبة لعلوم دقيقة ، وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة ، وكانت كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار ، ناسب أن يجب ( إذ ) بقوله : ( علمت نفس ) أي جميع النفوس بالإنباء بالحساب وبما يجعل لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال تعالى : ( فكشفنا عنك غطاءك ( والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في سياق التخويف والتحذير مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على حد سواء ، فمهما ثبت للبعث ثبت للكل ، ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن وهبه الله عقلاً أن يجوّز أنه هو المراد فيخاف : ( ما قدمت ) أي من عمل ) وأخرت ) أي جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما ، أو ما قدمت قبل الموت وما أخرت من سنة تبقى بعده .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى نظير هذا انتهى .

الصفحة 348