كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 352
غير ذلك فقال : ( وما ) أي والحال أنهم ما ) هم عنها ) أي الجحيم ) بغائبين ) أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما ، بل هم فيها خالدون جزاء لأعمالهم وفاقاً وعدلاً طباقاً حتى الآن في دار الدنيا وإن كانوا لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا .
الإنفطار : ( 17 - 19 ) وما أدراك ما. .. . .
) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( ( )
ولما علم أن الوعيد الأعظم يوم الدين ، هول أمره بالسؤال عنه إعلاماً بأنه أهل لأن يصرف العمر إلى الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال إيمان وإذعان لا سؤال كفران وطغيان ، ليكون أقعد في الوعيد به فقال : ( وما أدراك ) أي أعلمك وإن اجتهدت في طلب الدراية به ) ما يوم الدين ) أي أيّ شيء هو في طوله وأهواله وفظاعته وزلزاله .
ولما كانت أهواله زائدة على الحد ، كرر ذلك السؤال لذلك الحال فقال معبراً بأداة التراخي زيادة في التهويل : ( ثم ما أدراك ) أي كذلك ) ما يوم الدين ( .
ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه دراية دار وإن عظم وإن اجتهد ، لخص أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على سبيل الإجمال دافعاً ما قد يقوله بعض من لا عقل له : إن كان انضممت والتجأت إلى بعض الأكابر وقصدت بعض الأماثل فأخلص قهراً أو بشفاعة ونحوها ، فقال مبدلاً من ( يوم الدين ) في قراءة ابن كثير والبصريين بالرفع : ( يوم ( وهو ظرف ، قال الكسائي : العرب تؤثر الرفع إذا أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل ، وإذا أضافوا إلى فعل ماض آثروا النصب ) لا تملك ) أي بوجه من الوجوه في وقت ما ) نفس ( أيّ نفس كانت من غير استثناء ، ونصبه الباقون على الظرف ، ويجوز أن تكون الفتحة للبناء لإضافته إلى غير متمكن ) لنفس شيئاً ) أي قل أو جل ، وهذا وإن كان اليوم ثابتاً لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب ، فتقرر في النفوس أن الموجودين يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون ، وأما هناك فالمقرر في النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذناً ظاهراً ، ولا يكون لأحد فعل ما إذا بإذنه كذلك ، فالأمر كله له دائماً ، لكن اسمه الظاهر هناك ظاهر واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور .
ولما كان التقدير : فلا أمر لأحد من الخلق أصلاً ، لا ظاهراً ولا باطناً ، عطف عليه قوله : ( والأمر ) أي كله ) يومئذ ) أي إذ كان البعث للجزاء ) لله ) أي مختص