كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 361
حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآرخرة عن رؤيته ، وقال الحسن : لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا .
وقال القشري : ودليل الخطاب يوجب أن يكون المؤمنون يرونه كما يعرفونه اليوم انتهى .
وفيه تمثيل لإهانتهم بإهانة من يمنع الدخول على الملك .
ولما بين ما لهم من العذاب بالحجاب الذي هو عذاب القلب الذي لا عذاب أشد منه ، لأنه يتفرع عنه جميع العذاب ، شرع يبين بعض ما تفرع عنه من عذاب القالب مؤكداً لأجل إنكارهم معبراً بأداة التراخي إعلاماً بعلو رتبته في أنواع العذاب فقال : ( ثم إنهم ) أي بعد ما شاء الله من إمهالهم ) لصلوا الجحيم ) أي لدخلو النار العظمى ويقيمون فيها مقاسون لحرها ويغمسون فيها كما تغمس الشاة المصلية أي المشوية .
ولما بين ما لهم من الفعل الذي هو للقلب والقالب ، أتبعه القول بالتوبيخ والتبكيت الذي هو عذاب النفس ، وبناه للمفعول لأن المنكىء سماعه لا كونه من معين ، وإشارة إلى أنه يتمكن من قوله لهم كل من يصح منه القول من خزنة النار ومن أهل الجنة وغيرهم لأنه لا منعة عندهم : ( ثم يقال ) أي لهم بعد مدة تبكيتاً وتقريعاً وتنديماً وتبشيعاً : ( هذا ) أي العذاب الذي هو حالّ بكم ) الذي كنتم ) أي بما لكم من الجبلات الخبيثة ) به ) أي خاصة لأن تكذيبكم بغيره بالنسبة إليه لما له من القباحة ولكم من الرسوخ فيه والملازمة له ( ؟ ) ) تكذبون ) أي توقعون التكذيب به وتجددونه مستمرين عليه .
المطففين : ( 18 - 23 ) كلا إن كتاب. .. . .
) كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ( ( )
ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك ، نفاه بقوله : ( كلا ) أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف .
ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئاً به لأن المقام من أول السورة للوعيد وصوادع التهديد ، أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا ، فقال مؤكداً لأجل تكذيبهم : ( إن كتاب الأبرار ) أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في شرح صدورهم ، واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن أمورهم ) لفي علييّن ) أي أماكن منسوبة إلى العلو ، وقع النسب أولاً إلى فعليّ ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته ، قال

الصفحة 361