كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 379
ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به ، بين أنه إنما هو لسبب يبعد منه ، فقال على طريق :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
) وما نقموا ) أي أنكروا وكرهوا ) منهم ( من الحالات وكان ديناً لهم ونقصاً فيهم ) إلا أن يؤمنوا ) أي يجددوا الإيمان مستمرين عليه ) بالله ) أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال .
ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به لأجل الإيمان به ما لا يليق ، فنى ذلك بقوله واصفاً لهم بما يحقق وجوب العبادة له وتفرده بها : ( العزيز ) أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء ، فلا يظن إمكانه من أهل ولايته لعجز ، بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم عقاب أعدائهم ويعظم الانتقام منهم ) الحميد ) أي المحيط بجميع صفات الكمال ، فهو يثيب من أصيب فيه أعظم ثواب ، وينتقم ممن آذاه بأشد العذاب ، وقرر ذلك بقوله : ( الذي له ) أي خاصة ) ملك السماوات والأرض ) أي على جهة العموم مطلقاً فكل ما فيهما جدير بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئاً .
ولما قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود ، وأن الكافرين شهود على أنفسهم ، زاد في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا يحتاج إلى غيره ، ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال : ( والله ) أي الملك الأعظم الي له الإحاطة الكاملة ) على كل شيء ) أي هذا الفعل وغيره ) شهيد ) أي أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلاً ، ولا يكون شيء ولا يبقى إلا بتدبيره ، ومن هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلاً ، بل لا بد ان ينتقم لهم من أعدائه ويعليهم بعلائه ، ولذلك قال مستأنفاً جواباً لمن يقول : فما فعل بهم ؟ مؤكداً لإنكار الكفار ذلك : ( إن الذين فتنوا ) أي خالطوا من الأذى بما لا تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان كان ومن أي قوم كانوا ) المؤمنين والمؤمنات ) أي ذوي الرسوخ في وصف الإيمان .
ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان ، عبر بأداة التراخي فقال : ( ثم لم يتوبوا ) أي عن ذنوبهم وكفرهم .
ولما كان سبحانه لا يعذب أحداً إلا بسبب ، سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله : ( فلهم ) أي خاصة لأجل كفرهم ) ولهم ) أي مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله ) عذاب الحريق ) أي العذاب الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء ، وقد صدق سبحانه قوله هذا فيمن