كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 381
الاختصاص فقال : ( هو ) أي وحده ) يبدئ ) أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد ) ويعيد ) أي ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده ، وغيره لا يقدر على شيء من ذلك ، وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة ، أو شبيه بها في أنه لا يلحقه ( ألا ) المعرفة مثل خير منك ، وأجاز المازني وقوعه قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول ( أل ) عليه فأشبه المعرفة ، وقال : ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم ، قال الرضي : وما قاله دعوى بلا حجة ومثل ( ومكر أولئك هو يبور ) ليس بنص في كونه فصلاً لجواز كونه مبتدأ بما بعده خبره ، ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى :
77 ( ) وإنه هو أضحك وأبكى ( ) 7
[ النجم : 43 ] .
ولما ذكر سبحانه بطشه ، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف ، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك ، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلاً إلا من كان قادراً على كل شيء ، قال مبيناً لجميع ذلك دليلاً على أنه الفاعل المختار ، ومؤكداً لخروجه عن العوائد : ( وهو ) أي وحده ) الغفور ) أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلاً ) الودود ) أي الذي يفعل بمن أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي محاه عنه وداً أي محبة كبيرة واسعة يجعل له في قلوب الخلق رحمة ، ومادة ( ود ) تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم ، وزاد الأمر تأكيداً بذكر ما لا ينازع أصلاً في اختصاصه به تشريفاً له وتنبيهاً على أنه أعظم المخلوقات : ( ذو العرش ) أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه الملك بالملك وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة ، الذي به قوام الأمور ) المجيد ) أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة ل ( ذو ) وكذا إن جر على أنه صفة للعرش في قراءة حمزة والكسائي .
ولما كان الاختصاص يدل قطعاً على كمال القدرة ، أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله : ( فعّال ) أي على سبيل التكرار والمبالغة ) لما يريد ( لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة أو نسبت في الظاهر إلى غيره .
ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد ، قرره بما وجد من ذلك وذكره به تخويفاً وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في النفوس فقال : ( هل أتاك ) أي يا أعظم خلقنا ) حديث الجنود ) أي اذكر ما أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم أفضل الصلاة والسلام بحيث صار حديثاً يتلى ، وذكراً بين الخلق