كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 390
الطارق : ( 9 - 17 ) يوم تبلى السرائر
) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ( ( )
ولما كان هذا يحرك السامع غاية التحريك لأن يقول : معتى تكون رجعه له ؟ قال مجيباً له : ( يوم تبلى ( وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة إلى أن من الأمر البين غاية البيان أن الذي يبلوها هو الذي يرجعها ، وهو الله سبحانه وتعالى من غير احتياج إلى ذكره ) السرائر ) أي كل ما انطوت عليه الصدور من العقائد والنيات ، وأخفته الجوارح من الإخلال بالوضوء والغسل ونحو ذلك من جميع الجنايات ، بأن تخالط السرائر في ذلك اليوم ، وهو يوم القيامة ، من الأمور الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي عليه فتعود جهراً بعد أن كانت سراً ، فيميز طيبها من خبيثها ويجازى عليه صاحبه .
ولما كان المانع من جزائه عند إظهار سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره ، قال مسبباً عن إظهار ما يجتهد في إخفائه : ( فما له ) أي الإنسان الذي أخرجت سرائره ، وأعرق في التعميم والنفي فقال : ( من قوة ) أي يمنع بها نفسه من الجزاء ) ولا ناصر ) أي ينصره فيمنعه من نفوذ الحكم فيه .
وليس الدفع إلا بهذين الأمرين : قوة قائمة به أو قوة خارجة عنه .
ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من البلاغة في إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من بحور العلوم ، فثبت أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى ، فثبت أن كل ما فيه حق مع منازعتهم في ذلك كله ، اقتضى الحال الإقسام على حقيته فقال : ( والسماء ) أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يركد العلم بالعبث الذي الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه مدار السعادة فقال : ( ذات الرجع ( التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي ابتدأت الدوران منه فترجع الأحوال التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر ، والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك والنبات بعد تهشمه وصيرورته تراباً مختلطاً بتراب الأرض وترجع الماء على قول من يقول : إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم يرده إلى الأرض - وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعاً على أن فاعل ذلك قادر على إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلاً .
ولما ذكر الأمر العلوي بادئاً به لشرفه ، أتبعه السفلي فقال تعالى : ( والأرض ( أي

الصفحة 390