كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 419
يكرمونه به نم الجاه والمال ) ونعمه ) أي بأن جعله متلذذاً مترفاً بما أعطاه غير تعبان - بسببه ) فيقول ( سروراً بذلك وافتخاراً : ( ربي ) أي الموجد لي والمدبر لأمري ) أكرمن ) أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به ) وأما ( هو ) إذا ( وأكد على نمط الأول فقال : ( ما ابتلاه ) أي ربه ليظهر صبره أو جزعه .
ولما كان قوله في الأول ( فأكرمه ونعمه ) كناية عن ( فوسع عليه ) قابله هنا بقوله : ( فقدر ) أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير ) عليه رزقه ( فهو كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة ، فجعله بمقدار ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه ، ولم يجعله فيه فضلاً عن ذلك ولم يقل ( فأهانه ) موضع ( قدر عليه ) تعليماً للأدب معه سبحانه وتعالى وصوناً لأهل الله عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه ، ولأن ترك الإكرام لا ينحصر في كونه إهانة ) فيقول ) أي الإنسان بسبب الضيق : ( ربي ) أي المربي لي ) أهانن ( فيهتم لذلك ويضيق به ذرعاً ، ويكون ذلك أكبره همه .
الفجر : ( 17 - 22 ) كلا بل لا. .. . .
) كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ( ( )
ولما كان نسبة هذا إليه توبيخاً وتقريعاً لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي إلى سعادة الدارين ، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما ، وهذا أكثر ما يوجد ، قال ردعاً عن مثل هذا القول بأعظم أدوزات الزجر معللاً للتوسعة والإقتار : ( كلا ) أي إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها ، لا التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار ، وإنما أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون الله ، وربما كان بالتوسعة ، وربما كانت بالإقتار ، فربما عصى فوسع عليه إهانة له ، وهذا لمن يريد بالتوسعة ، وربما كانت بالإقتار ، فربما عصى فوسع عليه إهانة له ، وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا استدراجاً ، وربما عصى فضيق عليه إكراماً له لأن ذلك يكفر عنه ، وفي الصحيح في حديث أقرع وأبرص وأعمرى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك .
ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة ، ذكر أن معيار من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها ، فقال معرباً عن كلام الإنسان في الشقين وأفرد أولاً لأنه أنص على التعميم وجمع ثانياً إعلاماً بأن المراد الجنس ) بل ) أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان ، فيوسع على بعض من

الصفحة 419