كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 438
صدر النهار حين ارتفاعه ، وبالفتح والمد : شدة الحر بعد امتداد النهار ، وشيء ضاح - إذا ظهر للشمس والحر .
ولما افتتح بذكر آية النهار ، أتبعه ذكر آية الليل فقال : ( والقمر ) أي المكتسب من نورها كام أن أنوار النفوس من أنوار العقول ) إذا تلاها ) أي تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره من نورها من القرب الماحق لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من جرمه ، ولا يزال يكثر إلى أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار عند تقابلهما في أفق الشرق والغرب ، ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ما ينحرف عن المقابلة ، ونسبةالتبع غليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر منه كذلك .
ولما ذكر الآيتين ، ذكر ما هما آيتاه ، وبدا بهما لأنه لا صلاح له إلا بهما كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال : ( والنهار ) أي الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار ) إذا جلالها ) أي جلى الشمس بحلية عظيمة بعضها أعظم من بعض باعتبار الطور والقصر والصحو والغيم والضباب والصفاء والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة تدنسها ، لأن العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ثم لا يزال يزيد وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة ، أو نجاسته بسوء الجبلة ، حتى يصير الشخص نوراً محضاً ملكاً ناطقاً إذا طابق البدن العقل فتعاونا على الخير ، أو يصير ظلاماً بحتاً شيطاناً رجيماً إذ خالف البدن العقل بسوء الجبلة وشرارة الطبع .
ولما ذكر معدن الضياء ، ذكر محل الظلام فقال : ( والليل ) أي الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون ) إذا يغشاها ) أي يغطي الشمس فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على وجهها المماس لنا ، فيأخذ الأفق الشرقي في الإظلام ، ويمتد ذلك الظلام بحسب طول الليل وقصره كما يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره ، وذلك كله مبقادير معلومة ، وموازين قسط محتومة ، ليس فيها اختلال ، ولا يعتريها انحلال ، حتى يريد ذو الجلال ، ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن الليل لا يذهب الضياء بمرة بل شيئاَ فشيئاًن ولا ينفك عن نور بخلاف النهار ، فإنه إذا أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس في آن واحد ، فلم يبق معه ظلام بوجه .
ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما ، ذكر محل الكل فقال تعالى : ( والسماء ) أي التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس ، والنفوس مركب العقول ، ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما هو دونه في الحس وفوقه في