كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 489
الذات فقال ( وأعوذ بك منك ) فراراً منه إليه من غير رؤية فعل وصفة ، ولكنه رأى نفسه فاراً منه إليه ومستعيذاً ومثنياً ففني عن مشاهدة نفسه إذا رأى ذلك نقصاناً فاقترب فقال ( أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك ) فقوله : ( لا أحصي ) خبر عن - فناء نفسه وخروجه عن مشاهدتها ، وقوله : ( أنت كما أثنيت ) بيان أنه المثني والمثنى عليه ، وأن الكلم منه بدأ وإليه يعود ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، فكان أول مقامه نهاية مقامات الموحدين وهو أن لا يرى إلا الله وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل ، فانظر إلى ماذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته سوى الذات الحق ، ولقد كان ( صلى الله عليه وسلم ) لا يرقى من مرتبة إلى أخرى إلا ويرى الأولى بعداً بالإضافة إلى الثانية ، فكان يستغفر الله من الله من الأولى ، ويرى ذلك نقصاً في سلوكه وتقصيراً في مقامه ، وإليه الإشارة بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) فكان ذلك لترقيه إلى سبيعن مقاماً بعضها يعد نقصاً لنقص أوائلها وإن كان مجاوزاً أقصى غايات مقامات الخلق ، ولكن كان نقصاناً بالإضافة إلى أواخرها ، فكان استغفاره لذلك .
ولما قالت عائشة رضي الله عنها : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فما هذا البكاء في السجود وما هذا الجهد الشديد ؟ قال : ( أفلا أكون عبداً شكوراً ) معناه : أفلا أكون طالباً للمزيد في المقامات ، فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى
77 ( ) ولئن شكرتم لأزيدنكم ( ) 7
[ إبراهيم : 7 ] انتهى .
وهو على ما ترى من النفاسة فمن أكثر من الدعاء في سجوده فقمن أن يستجاب له ، والصلاة لا تكون إلا بالقراءة فإذا فعلت ذلك احتجبت عن الأغيار بحجاب منيع ، فازددت صفاء وصنت حالك عن الغير - كما يرشد إليه ما في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه - والله أعلم ) فقد رجع لآخرها إلى الأول ، على أحسن وجه وأجمل وأكمل - والله الهادي .
.. .