كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 501
ولما ذكر الأعداء وبدأ بهم ، لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك المعروف ، أتبعه الأولياء فقال مؤكداً لما للكفار من الإنكار : ( إن الذين آمنوا ) أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم ) وعملوا ) أي تصديقاً لإيمانهم ) الصالحات ) أي هذا النوع ، ولما كان نعيم القلب أعظم ، قدمه على نعيم البدن إبلاغاً في مدحهم فقال : ( أولئك ) أي العالو الدرجات ) هم ) أي خاصة ) خير البرية ( .
ولما خصصهم بالخيرية ، ذكر ثوابهم ، فقال ذاكراً جنة أبدانهم معظماً لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذين بأنه مقابلة ما وصفوا به : ( جزاؤهم ) أي على طاعاتهم ، وعظمه بقوله : ( عند ربهم ( إليهم المربي لهم وأي المحسن ) جنات عدن ) أي إقامة لا تحول عنها ) تجري ) أي جرياً دائماً لا انقطاع له .
ولما كان عموم الماء مانعاً من تمام اللذة ، قرب وبعض بقوله : ( من تحتها ) أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها ) الأنهار ( .
ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال : ( خالدين فيها ( ولما كان النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثاً على اتباع الدليل المعروف ، والمفارقة للحال المألوف ، أكد معنى الخلود تعظيماً لجزائهم بقوله : ( أبداً ( .
ولما كان هذا كله ثمرة الرضا ، وكان التصريح به أقر للعينه لأنه جنة الروح ، قال مستأنفاً أو معللاً : ( رضي الله ) أي لما له مننعوت الجلال والجمال ) عنهم ) أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق .
ولما كان الرضا إذا كان من الجانبين ، كان أتم وأعلى لهم قال : ( ورضوا عنه ( لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطوهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك ، لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقدر أحد حق قدره ، فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم ، وأعظم نعمه عليهم ما منّ عليهم به من متابعتهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فإن ذلك كان سبباً لكل خير .
ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين في زمان مخصوص ، قال معمماً له ومنبهاً على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي كانت سبب جزائهم : ( ذلك ) أي الأمر العالي الذي جوزوا به ) لمن خشي ربه ) أي خاف المحسن إليه خوفاً يليق به ، فلم يركن إلى التسويف والتكاسل ، ولم يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرامات بل كان ممن يطلب معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه ، فكان تواتر إحسانه يزيده خوفاً فيزيده شكراً ، فإن الخشية ملاك الأمر ، والباعث على كل خير ،

الصفحة 501