كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 506
ولما طال الكلام وأريد التهويل ، أبدل من ( إذا ) قوله معرفاً للإنسان ما سأل عنه : ( يومئذ ) أي إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله : ( تحدث ) أي الأرض بلسان الحال بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم زلزلت ولم أخرجت ، وأن الإنذار بذلك كان حقاً ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : تحدث بلسان المقال .
) أخبارها ) أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت لأجلها ، وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول : عمل فلان كذا وكذا - تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي يلزم منه العار ، وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك ، فيشهد للمؤذن كل ما امتد إليه صوته من رطب ويابس .
ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا بإذنه تعالى ، وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله ، فكان الجاهل ربما خفي عليه فاعل ذلك قال : ( بأن ) أي تحدث بسبب أن ) ربك ( اي المحسن إليك بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك ) أوحى ( وعدل عن حرف النهاية إيذاناً بالإسراع في الإيحاد فقال : ( لها ) أي بالإذن في التحديث المذكور بالحال أو المقال .
ولما أخبر تعالى بإخراج الأئقال التي منها الأموات ، اشتد التشوف إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه ، فقال مكرراً ذكر اليوم زيادة في التهويل : ( يومئذ ) أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من القبور ) يصدر ) أي يرجع رجوعاً هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع الذي ينادون منه لا يغلط منهم فيه ولا يضل عنه ) الناس ( من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم ) أشتاتاً ) أي متفرقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر ، وآمن وخائف ، ومطيع وعاص .
ولما ذكر ذلك ، أتبعه علته فقال بانياً للمفعول على طريقة كلام القادرين : ( ليروا ) أي يرى الله المحسن منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ) أعمالهم ( فيعلموا جزاءها أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله ، ثم سبب عن ذلك قوله مفصلاً التي قبله : ( فمن يعمل ( من محسن أو مسيء مسلم أو كافر ) مثقال ) أي مقدار وزن ) ذرة خيراً ) أي من جهة الخير ) يره ) أي حاضراً لا يغيب عنه شيء منه لأن المحاسب له الإحاطة علماً وقدرة ، فالكافر يوقف على أنه جوزي به في الدنيا أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان ، فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ويقوى حزنه وأسفه ، والمؤمن يراه ليشتد سروره به .
ولما ذكر الخير ، أتبعه ضده فقال : ( ومن يعمل ) أي كائناً من كان ) مثقال ذرة

الصفحة 506