كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 521
( سورة العصر )
قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : إنها سورة لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم ، وهو معنى قول غيره : " إنها شملت جميع علوم القرآن ، مقصودها تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق ، وبيان خلاصته وعصارته وهم الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم ، والإعلام بما ينجي من الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي لأنه خلاصة اتلكون ولباب الوجود ، واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص روح المعصور ويميز صفاوته ، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة الخلق وقت العصر ، وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات ، وبيان اشتمالها على علوم القرآن تنزيل جملتها على ما قال الغزالي : إن القرآن كالبحر الذي فيه جزائر بها معادن ستة ، منها أربعة مهمة : مهمان منها هما ياقوت أفخر فأحمره للعلم بالله ، وأخضره لصفاته ، وأزرقه لأفعاله ، وزمرد أخضر هو العلم باليوم الآخر وما فيه ، ومهمان أولهما در أنضر وهو العلم بالعبادات المقربة إليه سبحانه وتعالى ، وثانيهما مسك أذفر ، وهو العلم بالعبادات التي بها تهيأ العبادات ، ومتمان وهما درياق أكبر وهو العلم بإزاحة الشكوك ، والشبه والأوهام لأنها سموم ومهلكة للدين ، وعنبر أشهب وهو الاعتبار بمن هلك باجتناب ما كان سبب هلاكه ، والاقتفاء بمن نجا باتباع ما كان سبب نجاته ، فالجملة الأولى للعنبر لأن فيها شم روائح الهالك وضده الناجي ، وبدئ بها لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والجملة الثانية للياقوت بصفاته الثلاث والزمرد ، والثالثة للدر والمسك ، وهخما عبادات مقصودة ، وعادات وسيلة إليها ممدودة ، والرابعة للدرياق لأن الشبه والشكوك إنما هي من أوهام عاطلة وخيالات باطلة ، والخامسة وسيلة إليها ومتمة لها لأن معرفة ذلك واجتنابه لا يكون إلا ببذل الجهد في الصبر ) بسم الله ( الذي كل شيء هالك إلا وجهه ) الرحمن ( الذي عم بالنعمة البر والفاجر فليس شيء شبهه ) الرحيم ( الذي خص بإتمام النعمة أولياءه ، فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهة .

الصفحة 521