كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)

صفحة رقم 537
لأنه ليس كلهم كان يشبع ، ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده ( لا يملأ جوف ابن آدم إلى التراب ) .
ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر ، ذكر السبب في إقامة العيش بنعمة الباطن فقال : ( وآمنهم ) أي تخصصاً لهم ) من خوف ) أي شديد جداً من أصحاب الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات وبالأمن من الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ومن الطاعون والدجال بتأمين النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم به من الإيلاف ، فعلم أن آخرها علة لأولها ، ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع أولاً فحماه الله لهم مما ذكر ، فيكون ذلك مسبباً عن الإلف فيكون أولها علة لآخرها ، فقد التقى الطرفان ، والتأم البحران المغترفان ، وكما التقى آخر كل سورة مع أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها ، فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة على المتجر إيلافاً لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصهم بالأمر بعبادة الذي منّ عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان ، ومن أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول - البراءة من كل مارق ، وأن فعل ذلك يكون سبباً للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة ، وذكر مناقب البيت ومن يصلح لخدمته ، والفوز بأمانه ونعمته ، والبشارة بالغنى على وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر ، وأوفى وأوفر ، وأزهى وأزهر ، وأجل وأفخر ، بقوله تعالى :
77 ( ) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ( ) 7
الآيات ، [ التوبة : 17 ] وقوله تعالى :
77 ( ) وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ( ) 7
[ التوبة : 28 ] فعلم بهذا علماً جلياً أنه شرع سبحانه في رد المقطع على المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال القرآن بلسانهم وأرسل به النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم ، وتعظيمه لغناهم وأمانهم ، ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها في رد المقطع على الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي الله عنه إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) توفي ولم يبين أمرها ، فلم يتحرر له أنها مستقلة عنها ، ولذلك لم يكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، وكانت هذه التي من الآخر مقطوعاً بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي قبلها سورة واحدة في مصحف أبيّ رضي الله تعالى عنه ، وقراءة عمر

الصفحة 537