كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 543
ولما كان المراد بهذا الجنس ، وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه ، عرفهم بأمارات تنشأ من عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم ، وتدل عليهم وإن اجتهدوا في الإخفاء وتوضحهم ، فقال مسبباً عن التكذيب ما هو دال عليه : ( فذلك ) أي البغيض البعيد من كل خير ) الذي يدع ) أي يدفع دفعاً عنيفاً بغاية القسوة ) اليتيم ( ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من قلبه ، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف نم الله سبحانه وتعالى ، فكان التكذيب بجزائه سبباً للغلظة عليه .
ولما كانت رحمة الضعفاء علامة على الخير ، ولذلك قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ) كانت القسوة عليهم علامة على الشر ، وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلاً بالبذل من ماله ، قال معرفاً لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات ، وأسوإ الصفات الحامل على شر الحركات : ( ولا يحض ) أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثاً عظيماً يحمى فيبعث على المراد ) على طعام المسكين ) أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ولا يكرمه ولا يرحمه ، وتعبيره عن الإطعام - الذي هو المقصود - بالطعام الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ما فرض الله من كفايته ، وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث - إيذاء الضعيف والتهاون بالمعروف ، والآية من الاحتباك : الدع في الأول يدل على المقت في الثاني : والحض في الثاني يدل على مثله في الأول .
ولما كان هذا حاله مع خلائق ، أتبعه حاله مع الخالق إعلاماً بأن كلاًّ منهما دالّ على خراب القلب وموجب لمقت الرب ، وأعظم الإهانة والكرب ، وأن المعاصي شؤم مهلك ، تنفيراً عنها وتحذيراً منها ، فسبب عنه قوله معبراً بأعظم ما يدل على الإهانة : ( فويل ( ولما كان الأصل : له - بالإضمار والإفراد ، وكان المراد ب ( الذي ) الجنس الصالح للواحد وما فوقه .
وكان من يستهين بالضعيف لضعفه يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته ، وكان من أضاع الصلاة كان لما سواها أضيع ، وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت مباشرته لها على وجه الرياء أو غيره من الأمور المحيطة للعمل ، عبر بالوصف تعميماً وتعليقاً للحكم به وشقه من الصلاة تحذيراً من الغرور ، وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء ، وأتى بصيغة الجميع تنبيهاً على أن الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزم لإهانة الأفراد