كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 560
سائق القدرة ، فتقرب منها شيئاً فشيئاً ، كانت كأنها آتية إليها ، فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال : ( جاء ) أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له الأزل ، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فقال : ( نصر الله ) أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده .
ولما كان للنصر درجات ، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها ، صرح به فقال : ( والفتح ) أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم ، لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه ، وبها كان أصله ، وفيها استقر عموده ، وعز جنوده ، فذل بذلك جميع العرب ، وقالوا : لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم ، فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح ، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد ، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط ، ولتحققها عبر عنه ب ) إذا ( إعلاماً بأنه لايخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته ، وإيذاناً بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء ، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب ، فكان المعنى : فكن مترقباً لوروده ومستعداً لشكره .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره ( صلى الله عليه وسلم ) وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله ، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط
77 ( ) حكمة بالغة فما تغني النذر ( ) 7
[ القمر : 5 ]
77 ( ) لو شاء الله لجمعهم على الهدى ( ) 7
[ الأنعام : 35 ] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور ، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم
77 ( ) وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته ( ) 7
[ الأنعام : 115 ] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة - وكل كلام ربنا عظيم - فيما قيدته في غيره هذا ، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله ، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضاً بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى :
77 ( ) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ( ) 7
[ المائدة : 3 ] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع