كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 8)
صفحة رقم 574
أقصى ما يمكن حمله من حطب جهنم بما كانت تمشي به وتبالغ فيه من حمل حطب البهت والنميمة الذي تحمل به على معاداة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وشدة أذاه وإيقاد نار الحرب والخصومة عليه ( صلى الله عليه وسلم ) ، من قول الشاعر :
] من البيض لم تصطد على ظهر لأمه ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب
أراد النميمة ، وعبر بالرطب للدلالة على زيادة الشر بما فيه من التدخين وشبهت النميمة بالحطب لأنها توقد الشر فتفرق بين الناس كما أن الحطب يكون وقوداً للنار فتفرقه ، وكذا بما كانت تحمل من الشوك وتنثره ليلاً في طريق النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لتؤذيه ، وكانت تفعله بنفسها من شدة عداوتها وتباشره ليلاً لتستخفي به لأنها كانت شريفة ، فلما نزلت سورة صوّرتها بأقبح صورة فكان ذلك - أعظم فاضح لها ، وقراءة عاصم بالنصب للقطع على الشتم تؤدي أن امرأته وأن الخبر ) في جيدها ) أي عنقها وأجود ما فيها - هو حال على التقدير الأول ) حبل ( كالحاطبين تخسيساً لأمرها وتحقيراً لحالها ) من مسد ) أي ليف أو ليف المقل أو من شيء قد فتل وأحكم فتله ، من قولهم : رجل ممسود الخلق ، أي مجدوله - وقد رجع آخرها على أولها ، فإن من كانت امرأته مصورة بصورة حطابة على ظهرها حزمة حطب معلق حبلها في جيدها فهو في غاية الحقارة ، والتباب والخساسة والخسارة وحاصل هذه السورة أن أبا لهب قطع رحمه وجار عن قصد السبيل واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره ، وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لم يأل جهداً في نصحه على ما تراه من أنه لم يأل هو - جهداً في أذاه واعتمد على ماله وأكسابه فهلك وأهلك امرأته معه ومن تبعه من أولاده ، ومن أعظم مقاصد سورة النساء المناظرة لها في رد المقطع على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيما لذوي الأرحام ، والعدل في جميع الأقوال والأفعال ، فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن الهوى ، وحال الضال الذي إنما ينطق عن الهوى - قوله تعالى :
77 ( ) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ( ) 7
[ النساء : 26 ] وختمها إشارة إلى التحذير من مثل حاله ، فكأنه قيل : يبين الله لكم أن تضلوا فكونوا كأبي لهب في البوار ، وصلي النار - كما تبين لكم ، فكونوا على حذر من كل ما يشابه حاله وإن ظهر لكم خلاف ذلك ، فأنا أعلم منكم ، والله بكل شيء عليم ( والحمد لله رب العالمين ) .
.. .